لندن | فيما استمرّ، طوال نهار أمس، عدّ الأصوات التفضيلية في الانتخابات الإيرلندية العامة التي أجريت يوم الأحد، أنبأت النتائج الأولية بعاصفة سياسية قد تطيح هيمنة الحزبين البورجوازيين الكبيرين في البلاد، لمصلحة صعود حزب «شين فين» والمستقلّين وأحزاب يسار الوسط. وسيمنح ذلك الجمهوريين القوميين فرصة تاريخية للمشاركة في السلطة، وتنفيذ برنامجهم المعلن لإجراء استفتاء على الوحدة في إيرلندا التاريخية قبل انتصاف العقد الحالي.

يبدو أن النتائج الأولية للانتخابات الإيرلندية العامة (أجريت الأحد الماضي)، والتي توالى الإعلان عنها لحظة بلحظة طوال يوم أمس، تنبئ بكسر حزب «شين فين» القومي الإيرلندي هيمنة الحزبين التقليديين الكبيرين اللذين شكّلا الحكومات في دبلن منذ العشرينيات، ليفوز بما يقرب من 25% من مقاعد البرلمان الـ160 (مقارنة بـ16% حصل عليها في دورة الانتخابات الماضية)، وليفرض نفسه ممرّاً إجبارياً لتشكيل أيّ حكومة مقبلة. وقد تعرّض حزب «فاين جايل» - يمين الوسط - الذي يقوده الـ«تاوسيتش» - تسمية تعادل رئيس الوزراء في الدول الأخرى - المنتهية ولايته ليو فارادكار، لهزيمة قياسية بحصوله على أقلّ من 21% من الأصوات، ليحلّ ثالثاً بعد غريمه التقليدي حزب «فيانا فيل» الذي حلّ ثانياً بـ22%. وكان الحزبان مجموعَين قد حصلا على 69% من مجموع الأصوات في آخر انتخابات قبل أزمة عام 2008 المالية العالمية، فيما فَقَد «فيانا فيل» السلطة لصالح غريمه «فاين جايل» في عام 2011 إثر تورّطه في تنفيذ تعليمات الاتحاد الأوروبي لجهة التقشّف وتقليص الإنفاق الحكومي، والذي يظهر واضحاً أنّه لم يستعد ثقة الناخبين من وقته.
وتشير هذه النتائج إلى تصاعد موجة الغضب في أوساط الإيرلنديين - ولا سيّما وسط الشباب وسكان المناطق الحضرية - على أداء الحكومات اليمينية، التي نفّذت طوال عقد كامل سلسلة تدابير تقشّفية قاسية بعد الأزمة المالية العالمية، مسّت حياة أكثرية الإيرلنديين، وتسبّبت بتدنّي مداخيلهم وأزمات إسكان خانقة وتردٍّ في الخدمات الصحية وتصاعد في الجريمة. ولكن من ناحية أخرى، يمكن قراءة النتائج على أنها تصويت سلبي على أداء فارادكار في التعامل مع مسألة خروج بريطانيا من المملكة المتحدة «بريكست»، بوصفه، من خلال سعيه الحثيث لتجنّب إغضاب لندن، قد أضاع فرصة تاريخية لفرض قضية توحيد شطرَي إيرلندا التاريخية في جمهورية واحدة - بعد قرن من التقسيم (1922) - على جدول أعمال السياسة الأوروبية.

الأداء الممتاز لـ«شين فين» دفعه إلى إعادة حساباته في ما يتعلّق بتولّي دور فاعل في السلطة


انتصار «شين فين» - الذي طرح برنامجاً يميل إلى اليسار ويَعِد بإجراء استفتاء في كلّ إيرلندا التاريخية على الوحدة بحلول عام 2025 - بدا مكتمل الأبعاد، إذ فاز 36 من مرشحيه الـ42 بمقاعد، وكان يمكنه وفق الاتجاه العام للتصويت أن يحصد مزيداً منها لو تقدّم بعدد كافٍ من المرشحين في كلّ المقاطعات. كذلك، تَفوّق ممثلوه بعدد الأصوات في المراكز الانتخابية التي ترشّح فيها فارادكار نفسه، وأيضاً زعيم «فيانا فيل» ميكائيل مارتن، اللذان حصل كلّ منهما على الموقع الثاني بعد مرشّحي «شين فين». وجمع الحزب أصواتاً تفضيلية كثيرة، ستمنحه مزيداً من المقاعد وفق قانون الانتخاب الإيرلندي الذي يقوم على مبدأ النسبية، وانتُخبت كوادره بأرقام قياسية من الأصوات، بِمَن فيهم زعيمة الحزب ماري لو ماكونالد. ولعلّ أفضل إشارة إلى عمق الزلزال الذي أصاب الحياة السياسية في إيرلندا أتت من استطلاعات اتجاهات التصويت، حيث جاء «شين فين» الخيار الأوّل لمعظم الناخبين الشبان بين 18 و34 عاماً، فيما تراجع تأييد الحزبين الكبيرين «فاين جايل» و«فيانا فيل» بينهم إلى أقلّ من 15%. وتوزّعت بقية الأصوات على حزب «الخضر» بحصوله على 7% منها، و«الديمقراطيون الاجتماعيون» الذي حاز 3%، وحزب «العمّال» بنيله 2% في أسوأ نتيجة له على الإطلاق، وأقلّ من 3% وحوالى 15% لمستقلّين.
الأداء الممتاز لحزب «شين فين» دفعه إلى إعادة حساباته في ما يتعلّق بتولّي دورٍ فاعل في السلطة، بعدما كانت توقّعات الحزب قبل الانتخابات تتمحور حول السعي إلى لعب دور صانع ملوك للحكومة المقبلة من دون التمثّل فيها مباشرة، على نحو يمكّنه من فرض أجندة استفتاء الوحدة، وربما التخفيف من وطأة سياسات التقشّف. لكن الثقة الواضحة التي منحه إياها الناخبون قد تغري طقم القيادة الحالي بإعادة النظر في الأمر. وبالفعل، فقد أعلنت ماكدونالد، في أول تعليق لها على النتائج الأولية، أن «الحزب جاهز لدخول الحكومة»، معتبرة أن «أيّ محاولة لإقصائه من المشاورات في شأنها هي بمثابة اعتداء على الديمقراطية»، في إشارة إلى تصريحات فارادكار ومارتن عشية الانتخابات في شأن استحالة التحالف مع «شين فين»، بوصفه مجرّد واجهة سياسية لـ«الحزب الجمهوري الإيرلندي» الذي كان اعتمد خيار العمل العسكري ضدّ الاحتلال البريطاني. ويبدو أن احتمال تشكيل حكومة وسط تجمع «شين فين» مع أحد الحزبين الكبيرين خيارٌ لا بدّ منه الآن للوصول إلى الأغلبية في البرلمان، وتشكيل حكومة تحظى بثقته. وبغير ذلك، يمكن لـ«شين فين» أن يحاول بناء جبهة يسارية تضمّه مع «الخضر» واليسار و«العمّال» والمستقلّين، أو أن يلجأ الحزبان الكبيران إلى تناسي خلافاتهما، وبناء تحالف يميني عريض، وإن كان الاحتمال الأكبر، الآن، هو توقّع جولة إعادة قد تمنح أحد الأطراف ترجيحاً على الآخر.
وبغضّ النظر عن الحسابات السياسية الآنية، فإن اليمين الإيرلندي البرجوازي المحافظ - الذي حكم إيرلندا ولعب عبر العقود سياسة مهادنة تجاه البريطانيين وتبعية تامّة للمشروع الرأسمالي المعولم - يبدو متجهاً إلى التهميش لمصلحة جيل الشبان الجديد الذي يميل إلى يسار الوسط، ويطمح في بناء جمهورية جديدة توحّد الجزيرة بعد طول تقسيم، وتخدم أكثرية مواطنيها لا القلّة المتنفّذة منهم. وهذا اتجاه لا تبدو مؤسسة الحكم التقليدي في دبلن قادرة على استيعابه أو مجاراته، بينما يثير قلقاً وامتعاضاً متزايداً في لندن التي تواجه استحقاقات «بريكست»، ومنها عقدة الحدود الإيرلندية المؤجّلة مرحلياً. ويبدو أن كلّ ذلك سيفتح الباب عملياً أمام فكرة إعادة توحيد إيرلندا وإنهاء الحالة البريطانية الشاذة في شمالها. أما بروكسل فهي تراقب تطوّرات الأحداث في إيرلندا بعين القلق، إذ أنها تفضّل العمل مع الأحزاب التقليدية المطواعة، بدلاً من قوميين ويساريين متطرّفين. ومع هذا، فهي تدرك أكثر من غيرها أن «شين فين»، على رغم كلّ رطانته الثورية، ليس في النهاية إلّا حزباً وسطياً آخر يمكن العمل معه، وأن أيّ حكومة تُشكّل في دبلن ستحرص على امتيازات عضويتها في الاتحاد الأوروبي، أقلّه في مواجهة الأسد البريطاني العجوز.