لندن | يومان فقط يفصلان عن موعد إدلاء الناخبين الإيرلنديين بأصواتهم (يوم السبت المقبل، 8 شباط/ فبراير) لاختيار ممثّليهم في مجلس النواب، تحضيراً لتشكيل حكومة جديدة مدّة ولايتها سبع سنوات، ومن غير المتوقّع أن يحصل فيها أيّ من الفرقاء على الأغلبية الكافية للانفراد بالسلطة. وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى تراجع نسبي في تأييد حزب «فاين جايل» ــــ يمين الوسط ــــ الذي ينتمي إليه الـ«تاوسيتش» (وهي تسمية تُعادل رئيس الوزراء في الدول الأخرى) المنتهية ولايته، ليو فارادكار، لمصلحة «فيانا فيل» الحزب البورجوازي الآخر الكبير في البلاد، و«شين فين» الحزب القومي الإيرلندي الذي يقف أيديولوجياً على أقصى يسار الوسط.

بناءً عليه، ستجد الأحزاب جميعاً نفسها مضطرّة إلى الدخول في تحالفات سياسية صعبة للوصول إلى أغلبية تتيح تشكيل الحكومة، وهو ما انعكس بالفعل على الحملات الانتخابية التي تمحورت حول مَن يمكن أن يتأهّل للتحالف مع مَن، الأمر الذي صار علامة فارقة للانتخابات في جمهورية إيرلندا منذ نهاية الثمانينيات. في المقابل، يتّجه الحزب الأعرق في البلاد، «شين فين»، بشكل أو بآخر، إلى تثبيت مكانته مجدّداً كأحد اللاعبين الكبار في السياسة الإيرلندية، ولا سيّما مع تصاعد التأييد النسبي له بين الشباب وسكان العاصمة والمدن الكبرى، وفي موازاة انحسار الهيمنة التقليدية لثنائيّ أحزاب البورجوازية الكبرى («فاين جايل»/ «فيانا فيل»). ويعزو المراقبون ذلك إلى لعب الحزب على ورقة إعادة توحيد شطرَي إيرلندا (الشمال الخاضع لحكم التاج البريطاني، مع الجمهورية في الجنوب)، عبر الدعوة إلى إجراء استفتاء شعبي على الوحدة في عام 2025، بالاستفادة من نتائج «بريكست» الذي جعل حلم إيرلندا واحدة قابلاً للتحقّق أكثر من أيّ وقت مضى. وما يعزّز التوجّه المتقدّم تصويت 65% من سكان المحافظات الشمالية الستّ لمصلحة البقاء تحت مظلّة الاتحاد الأوروبي في استفتاء عام 2016، الذي نظّمته لندن وانتهى بخروجها من الاتحاد أخيراً، فيما تتمسّك الجمهورية في دبلن بعضويتها في التكتل.

ستجد الأحزاب جميعاً نفسها مضطرّة إلى الدخول في تحالفات سياسية صعبة


مع ذلك، لن يتسنّى لـ«شين فين» أن يكون طرفاً في الحكومة المقبلة، حتى لو تمكّن من إزاحة أحد الحزبين الكبيرين عن موقعه (عبر الفوز بـ 23 ــــ 25% من الأصوات)، بالنظر إلى مسارعة تلك الأحزاب إلى الإعلان مبكراً عن استحالة التحالف معه، على أساس أنه ليس حزباً تقليدياً، ومجرّد واجهة سياسية لـ«الحزب الجمهوري الإيرلندي» ــــ اللجنة الموقتة ــــ القوميّ النزعة، والذي ناهض النفوذ البريطاني عسكرياً. وللمفارقة، فإن «شين فين» مُمثَّل في برلمان بلفاست الإقليمي الخاضع للندن، ومنه أيضاً نواب منتخبون عن إيرلندا الشمالية في البرلمان البريطاني، وإن كانوا يمتنعون عن حضور الجلسات والتصويت كموقف تاريخي تجاه المحتل. لكن ساسة دبلن لا يريدونه شريكاً في حكومة للجمهورية؛ فـ«فاين جايل» معادٍ صريح تقليدياً للقوميين الجمهوريين، بينما يريد «فيانا فيل» بناء يوتوبيا التعايش والسلام، من دون تراث المقاومة ضدّ الاحتلال.
قلق النخبة السياسية الإيرلندية من تولّي «حزب القوميين» السلطة شريكاً، متأتٍّ دائماً من حرصها على إبقاء الوضع القائم في البلاد، وحماية التوجّه الرأسمالي الجارف لاقتصادها، كلاعب ذي مواصفات خاصة في الاتحاد الأوروبي، قادر في الوقت ذاته على التمتع بعلاقات شراكة استثنائية مع الولايات المتحدة وشركاتها المعولمة، وتجنّب إغضاب الجار البريطاني اللّدود. ومع ذلك، فإن المتابعين لمسيرة الحزب، عبر العقود، يعلمون أنه بذل جهوداً جبّارة للتأقلم في العمل السياسي مع كلّ من لندن ودبلن، منذ اتفاق سلام إيرلندا الشمالية (الجمعة العظيمة في عام 1998) على حساب تاريخه النضالي، كما اقتصرت تموضعاته الاقتصادية التالية على القبول بحلول رأسمالية ملطّفة، من دون الطابع اليساري الذي هيمن على أدبياته في القرن الماضي، وهو ما نفّذه الحزب حرفياً في المحافظات التي يتولّى إدارة مجالسها المحلية في إيرلندا الشمالية.
في ظلّ هذا الواقع المتكلّس، فإن غاية ما يطمح إليه القوميون في هذه الانتخابات هي أن يلعب «شين فين» دور صانع الملوك في عملية تشكيل الحكومة المقبلة، ربّما من خلال تحالفه مع تجمّع قوى اليسار وأيضاً عدد من المستقلين، ليفرض على أحد الحزبين الكبيرين شرطه الوحيد لتقديم الدعم: التعهّد بالعمل على إنجاز استفتاء شعبي عام عبر إيرلندا في شأن الوحدة.