طهران | في حوار المجلة الألمانية، ورداً على سؤال عمّا إذا كانت المحادثات مع واشنطن قد انتفت مع اغتيال الفريق قاسم سليماني، قال ظريف: «كلا، لا أستبعد إطلاقاً احتمال أن يغيّر الأشخاص سلوكهم ويرضخوا للواقع... إن بوسع إدارة ترامب إصلاح ماضيها، وأن ترفع العقوبات وتعود إلى طاولة المفاوضات، إننا ما زلنا عند طاولة المفاوضات». بعد ساعات من نشر المقابلة، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تغريدة على «تويتر»، إن وزير الخارجية الإيراني يقول إن إيران تريد المفاوضات مع الولايات المتحدة، «لكنه يريد رفع العقوبات، كلا، شكراً!». بالتزامن، اعتبر معارضو حكومة الرئيس حسن روحاني في إيران تصريحات ظريف «غير مدروسة»، وأن إثارة موضوع المحادثات فيما لم تمرّ عدة أيام على اغتيال سليماني يتناقض والمصالح الوطنية. كما تجمّع عدد من المعترضين أمام مقرّ وزارة الخارجية، وهم يحملون لافتات كتب عليها «الموت لأميركا» وصوراً لسليماني. في الأثناء، وجّه عدد من النواب، في كلمات ألقوها تحت قبة البرلمان يوم 27 كانون الثاني/ يناير، انتقادات لاذعة لظريف. واضطرت الخارجية إلى إصدار بيان توضح فيه تصريحات ظريف، قالت فيه إن واشنطن تريد إعطاء صورة عن البلاد وكأنها من «دعاة الحرب» و«مناهضة للمفاوضات»، وأن «تضع في النهاية طاولة مفاوضات غير شرعية ومفروضة محلّ الاتفاق النووي»، وبناءً على ذلك لا يجب إظهار أن إيران تعارض المحادثات. وحذّرت الخارجية من أن هذا النقاش «في الظروف الحالية للسياسة الخارجية والمناخ الانتخابي الداخلي، سيترك تداعيات مدمرة على المصالح القومية للبلاد والثقة العامة للمجتمع». وفي خضم الجدل المثار حول تصريحات ظريف، أقيم اجتماع بعنوان «آفاق العلاقات الإيرانية الأميركية في ظلّ التطورات الجديدة» قبل أيام، برعاية «جمعية العلوم السياسية الإيرانية»، شارك فيه أكاديميون وخبراء تناولوا إمكانية المفاوضات.


المشكلة الإسرائيلية
قال الدبلوماسي الإيراني السابق ومحلّل الشؤون الدولية، فريدون مجلسي، في الاجتماع، إنه ليست هناك مشكلة خاصة بين إيران والولايات المتحدة، بل إن التوتر والخلافات المتصاعدة بين هذين البلدين «تدور حول إسرائيل». وأضاف: «لا موضوع خاصاً بين إيران وأميركا. هذان البلدان ليسا متجاورين ولا تربطهما حدود مشتركة، بل إن التوتر بينهما ناتج من موضوع آخر. إيران ترى أن اسرائيل يجب أن تزول عن الوجود، لكن أميركا ترى أن إسرائيل يجب أن تبقى». ويذهب مجلسي إلى أنه «إن لم تتمّ تسوية هذه القضية بشكل ما، فإن الصداقة ستكون مستحيلة، والخيار المتبقي هو الحرب». مع ذلك، فإنه دعا إلى أن تقوم إيران بتحسين علاقاتها الدولية بما فيها العلاقة مع الولايات المتحدة، من أجل تحقيق الانفراج وإرساء علاقات إقليمية شاملة.

«المقاومة السبيل الوحيد»
أستاذ كلية الدراسات العالمية في جامعة طهران، فؤاد أيزدي، رأى، من جهته، أن الدول تُقسّم في منظور قادة واشنطن إلى «دول مواكبة (Client state) ودول غريمة (Enemy state)»، إذ انتقلت إيران ما بعد الثورة إلى فئة الدول الغريمة.
وتساءل: «هل يمكن لإيران ألّا تندرج ضمن أيّ من هاتين الفئتين، وتقيم بدلاً من ذلك تواصلاً أكثر طبيعية مع أميركا؟». وردّاً على ذلك، قال «من أجل التوصّل إلى مقاربة ثالثة، فإن كلا الطرفين يجب أن يبديا حرصاً على التوصل إلى مقاربة وسطية». وتابع: «على الرغم من الجهود التي بذلتها إيران على مدى الأعوام الـ30 الماضية للانفتاح، لكن المشاكل بين البلدين لا تزال قائمة. عدم التناغم هذا ليس بسبب فلسطين وحدها، المشكلة بين إيران وأميركا لن تسوّى من خلال عدم دعم إيران للفلسطينيين. وثمة تجارب للدول الجارة، بما فيها تركيا، في ما يخصّ مواكبة إسرائيل، والتي تظهر مدى أثرها على العلاقات مع أميركا». ويذهب إلى أن إيران «بلد كبير يملك مصادر وموارد طبيعية هائلة، وأميركا تعتبر بلدنا غريماً لها، لذلك فإن مشكلة الولايات المتحدة ليست سوى إيران ذاتها. حالة البلاد اليوم ليست على ما يرام، وقد فرضت ظروف صعبة عليها، لكن لا يمكن القيام بعمل خاص لمغادرة هذه الظروف، والخيار الوحيد يتمثل في مقاومة العقوبات والضائقة المفروضة من قِبَل إدارة ترامب».

تداعیات اغتیال سلیماني
في مشاركته، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة العلامة طباطبائي، جلال دهقاني فيروزآبادي، أن استشهاد الفريق سليماني «له أثر عميق ومهمّ على السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، يساهم في تعزيز القطاع الأمني والمثالية، ويدحض المحادثات في المستقبل المنظور». وأضاف أن ما حصل من جرّاء الاغتيال أدى مرّة أخرى إلى أن تضع إيران عدم الثقة بالولايات المتحدة في مقدمة سياستها، وأن لا تكون لديها مرونة إزاء بناء الثقة والمحادثات وتطبيع العلاقات. تطبيع العلاقات يُعدّ تهديداً». ورأى أنه «لا يجب أن نظن أن الصراع والتوتر سينتهيان مع المحادثات. هذا الصراع سيستمرّ حتى انتهاء الولاية الأولى لترامب، ولن تحصل محادثات ناجحة في الظروف الحالية لتطبيع العلاقات». وزاد: «إن انتخب ترامب لولاية رئاسية مقبلة، فيجب توقع سياسة أميركية أكثر عدائية وهجومية تجاه إيران، لكن إن فاز الديمقراطيون فإن بوسعنا بدء المحادثات».

معادلة توازن القوى غير جاهزة
أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، إبراهيم متقي، نبّه إلى أن معادلة توازن القوى قد أوجدت، بسبب التطورات الأخيرة في المنطقة، مناخاً بات غير جاهز لتقبّل محادثات، «وبالتالي، فإننا ومن خلال وجودنا في المناخ... غير قادرين على تحسين علاقاتنا مع أميركا حتى مع رفع العقوبات». وأضاف: «رؤية وزارة الخارجية الإيرانية كانت مبنية على أنه بالإمكان من خلال تقديم تنازلات إيجاد مزيد من الأمن. لكن المسألة الرئيسة للفعل الأميركي تتمثّل في توازن القوى. فإن كنا نعزّز قدراتنا النووية، لما كان ممكناً في هكذا مناخ أن يتوصل ترامب إلى نتيجة تدفعه لاغتيال الفريق سليماني». ويذهب إلى أنه لا تتوافر في الظروف الحالية إمكانية إجراء محادثات: «ثمة احتمال بحصول مزيد من التوتر بين طهران وواشنطن بسبب توازن القوى. اغتيال الفريق سليماني كان بمثابة مهاجمة مركز ثقل الفعل الاستراتيجي لإيران في المنطقة، وقد ردّت إيران في خطوة متبادلة وبثقلها الخاص على هذا الاغتيال وأظهرت أن لديها القدرة على الرد». واعتبر متقي أن المناخ السائد في العلاقات بين طهران وواشنطن في المنطقة مناخُ «شبه صراع». وتابع: «مناخ الحرب من العيار الثقيل غير متوفر في الوقت الحاضر. التوجه الأميركي قائم على ممارسة الضغط الأقصى على إيران. التوازن الجديد للقوى في المنطقة سيسهم في ديمومة الاحتقان في المنطقة، ولن تكون الدبلوماسية موفقة من الطرفين للدخول في مفاوضات. الذين سيخوضون في المستقبل المحادثات بين البلدين، يتعيّن أن يكون بإمكانهم في المناخ الجديد والمتغير العمل على خفض التوترات في العلاقات بين إيران وأميركا».