استيقظ البريطانيون للمرة الأخيرة، صباح أمس، بصفتهم مواطنين في الاتحاد الأوروبي. وفيما لم يخفِ الكثيرون منهم غبطتهم بقدوم هذا اليوم التاريخي، ظلّت حالة الترقّب والحذر هي الطاغية، على اعتبار أن ما ستحمله الأيام المقبلة لا يزال مجهولاً، سواءً على مستوى الداخل، أم في ما يتصل بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والعالم. الخوف من المستقبل لم يمنع العديد من البريطانيين من استقبال الخروج بالتهليل، أو بإحراق علم الاتحاد الأوروبي مثلاً، الأمر الذي قامت به مجموعة من المعارضين للتكتّل خارج مبنى البرلمان. في المقابل، حافظ زعيم حزب «العمّال»، جيريمي كوربن، على نوعٍ من الحذر، حاثاً على الوحدة، بغضّ النظر عن الرأي في شأن «بريكست». وفي فيديو مسجّل، طالب بـ«بريطانيا أممية حقّاً، ومتنوّعة، ومنفتحة على الخارج، وتتمتع بعلاقة تعاون وثيق مع الاتحاد الأوروبي». وقال: «اليوم هو فقط البداية»، مشيراً بذلك إلى المفاوضات التجارية المرتقبة مع أوروبا، والتي «ليس من المقرّر أن تبدأ قبل آذار/ مارس». وإذ أكد أنه سيكون لحزبه المعارض دور في المرحلة المقبلة، توعّد بـ«(أننا) سنحاسب الحكومة على كلّ خطوة تقوم بها في إطار حماية وظائفنا ومعايير عيشنا، من أجل ضمان حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي الموجودين هنا في المملكة المتحدة، والمواطنين البريطانيين الذين يعيشون في أوروبا، ومن أجل الدفاع عن حماية العمّال وبيئتنا».

من جهتهم، أثنى رؤساء مؤسسات الاتحاد الأوروبي على ما وصفوه بـ«أوروبا على عتبة عصر جديد»، مذكّرين المملكة المتحدة بأنها ستخسر «مكتسبات» الدولة العضو. وفي رسالة نُشرت أمس، أعرب كلّ من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس البرلمان الأوروبي ديفيد ساسولي، عن «الاستعداد للانخراط في شراكة جديدة مع جيران الضفة الأخرى من بحر المانش». وقالوا: «بالنسبة إلينا، كما لأشخاص كثر، سيكون هذا اليوم حتماً مدعاة تأمّل، وسيتّسم بمشاعر مختلطة». وحذّر المسؤولون الثلاثة من أنه «في غياب شروط عادلة في مجالات البيئة والعمل والنظام الضريبي ومنح الدولة، لا يمكن أن تكون ثمة فرص واسعة للوصول إلى السوق الموحّدة»، معتبرين أنه «لا يمكننا الحفاظ على المكتسبات المنشودة من مكانة العضوية حين نفتقد هذه الصفة».

طالب كوربن بـ«بريطانيا أممية، متنوّعة، وتتمتّع بعلاقة تعاون وثيق مع الاتحاد الأوروبي»


في خضمّ ذلك، طغت الأجواء الاحتفالية على المستوى الإعلامي، حيث لعبت الصحف، اليمينية خصوصاً، دور المُطبِّل، ودخلت في عملية مزايدة في ما بينها على مَن كان له السهم الأكبر في الدفع نحو الخروج. فقد كرّست صحيفة «ذي ديلي تلغراف» مُلحقاً مجانياً لقرّائها بعنوان: «قصة التلغراف وبريكست». وفي قالب من التفاخر، لخّصت الصحيفة عملية «بريكست» من وجهة نظرها، معتبرة أن حملة الخروج «غيّرت مسار التاريخ، ودفعت بكاتب عامود في صحيفة لأن يدخل إلى داونينغ ستريت»، في إشارة إلى رئيس الحكومة، بوريس جونسون، الذي كان يوماً كاتباً وصحافياً فيها. أيضاً، روت الصحيفة كيف عاد جونسون، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، رئيساً للحكومة عبر حصول حزبه، «المحافظون»، على غالبية ثمانين مقعداً في البرلمان. وكتب محرّر «ذي ديلي تلغراف» كريس إيفانس: «بالنسبة إلى بوريس، منذ تموز /يوليو 2018 (تاريخ استقالته من منصب وزير للخارجية) إلى كانون الأول/ ديسمبر، كان هذا تحوّلاً كبيراً. ونحن ساعدناه على لملمة نفسه والعودة إلى المسار الصحيح». ابتهاجٌ مماثل تصدّر صفحات صحيفة «ذي ديلي إكسبرس»، التي حمل عددها الخاص، أي «الطبعة التذكارية التاريخية»، خريطة المملكة، ممهوراً بعبارة: «نعم فعلناها». وبشعارها، الفارس الصليبي الذي يحمل صليب القدّيس جورج، قالت الصحيفة: «لقد استَعَدْنا بلدنا»، في الوقت الذي أشادت فيه بقرّائها، عبر التوجّه إليهم بالقول: «لقد استعدتم بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وفيما حاولت صحيفة «ذي صان» تأكيد تفوّقها بالتوجّه إلى قرّائها بالقول: «بعد ثلاثين عاماً من القتال، لحظة عظيمة لكم، قرّاءنا»، وصفت صحيفة «ذي ديلي ميل»، «يوم الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي»، بـ«فجر جديد لبريطانيا». أما صحيفة «ذي تايمز»، فقد وضعت صورة ساعة «بيغ بن» على صفحتها الأولى معنونةً بـ«بريكست - حان الوقت»، بينما حرصت صحيفة «ذي ديلي ستار» على أن تتناول الحدث عبر نشر طبعتها التذكارية مع صورة لخريطة بريطانيا وأشخاص يرفعون الكؤوس احتفالاً، قائلة: «الليلة هي لحظة تاريخية فعلاً بالنسبة إلى أمّتنا العظيمة». في المقابل، آثرت صحيفة «ذي غارديان» اليسارية الخروج عن سرب المهلّلين، معبّرةً عن تفضيلها البقاء في الاتحاد الأوروبي، من خلال عنوان «جزيرة صغيرة»، عادّةً «بريكست» «أكبر رهان منذ جيل».