أوّل من أمس، قلبَ المستشار السابق للأمن القومي جون بولتون الموازين المرتبطة بمحاكمة عزل الرئيس دونالد ترامب أمام مجلس الشيوخ، مُنذراً بتأخيرها، وعرقلة المسار الذي رسمه الجمهوريون، والقاضي بإصدار تبرئة سريعة للرئيس في غضون أسبوع. ولم يكد فريق الدفاع عن ترامب يقدّم مرافعته، أمام مجلس الشيوخ، حتّى خرجت مسودة كتاب لبولتون، لتشكّل مادّة دسمة يمكن أن يستخدمها الديموقراطيون لفرضِ استدعاء الشهود، الأمر الذي طالما رفضه الجمهوريون.

وفي مسودة الكتاب، أكد بولتون ما كان قد تردّد عن أن الرئيس دونالد ترامب أراد تجميد مساعدة عسكرية لأوكرانيا، إلى أن تفتح كييف تحقيقاً بشأن خصمه المحتمل في الانتخابات الرئاسية. ومشيراً إلى كتاب بولتون الذي لم يُنشر بعد، أوضح مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ ترامب أبلغ مستشاره السابق للأمن القومي برفضه دفع مساعدة بقيمة 391 مليون دولاراً إلى أوكرانيا، ما لم تساعده السلطات الأوكرانية عبر بدء تحقيق بشأن الديموقراطي جون بايدن وابنه هانتر، الذي يعمل في مجلس إدارة مجموعة أوكرانية للغاز.
وبالفعل، لم يكد يُنشر المقال، حتّى طالب الديموقراطيون باستدعاء بولتون، وشخصيات أخرى في مراكز مهمة في إدارة ترامب، من بينهم مدير مكتبه مايك مالفاني، للإدلاء بإفاداتهم في المحاكمة الهادفة إلى تحديد مصير ترامب في الرئاسة. وكان بولتون قد أكد، أخيراً، استعداده للإدلاء بإفادته إذا استُدعي. إلا أن النائب الديموقراطي آدم شيف، الذي يقود فريق الادعاء في محاكمة ترامب، كتب في تغريدة على موقع «تويتر»، أن دونالد ترامب «عرقل طلبنا استدعاء بولتون للإفادة». وأضاف: «الآن نعرف السبب: بولتون يناقض مباشرةً الحجة الأساسية لفريق الدفاع عن الرئيس». كذلك، اعتبرت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أن رفض الجمهوريين الاستماع إلى بولتون وشهود آخرين والاطلاع على وثائق، «بات الآن غير مبرّر أكثر من ذي قبل». وأضافت أن «الخيار واضح: إما دستورنا أو التعتيم».
وإن كان ما تقدّم يعني شيئاً، فهو أن الرئيس الذي نجا من فضيحة تلو أخرى، خلال السنوات الثلاث الماضية، يواجه الآن ما يمكن أن يكون أكثر «الفضائح» أهمية وخطراً على مسيرته السياسية، لا سيما أنه جرى الكشف عنها في أكثر الأوقات حساسية، أي خلال محاكمته بهدف عزله. وفي هذا الإطار، تساءل بيتر بايكر، في صحيفة «نيويورك تايمز»: «هل سيشكّل ذلك نقطة تحوّل، أم هو مجرّد كشف جديد يؤكّد صحة الانتقادات التي تطال ترامب من دون أن تغيّر شيئاً؟».

سعى القادة الجمهوريون إلى التخفيف من أهمية الأخبار الصادرة عن بولتون أو المرتبطة به


إلى الآن، يبدو ترامب متأكداً من أنه لن ينال البراءة فقط، بل من المحتمل أن يواصل سياسة منع أي شهادة إضافية. ولكن بينما تعتقد غالبية من الأميركيين ــ من بينهم عدد كبير من الجمهوريين ــ بأنّ على مجلس الشيوخ الاستماع إلى الشهود المعنيين، والحصول على الوثائق اللازمة، فقد جاءت مسودة كتاب بولتون لتؤكد الحاجة إلى شهادته وشهادات أخرى. ومن هذا المنطلق، ستزيد هذه المسودة الضغوط الذي قد تُمارس في هذا المجال، عبر دفع الأعضاء الجمهوريين المتردّدين إلى الانضمام إلى الديموقراطيين في المطالبة بمثول الشهود. وفي هذا السياق، أشار السيناتور الجمهوري ميت رومني إلى أن «من المحتمل» أن ينضم المزيد من الجمهوريين إلى السعي للحصول على شهادة بولتون في محاكمة ترامب. كذلك، لفتت السيناتور سوزان كولينز إلى أنها منفتحة على دعم مثول الشهود، كما فعلت خلال محاكمة الرئيس الأسبق بيل كلينتون عام 1999، مؤكدة أن هذا التطوّر سيقوّي قضية السماع إلى الإفادات. أمّا السيناتور ليزا موركووسكي، فقد أوضحت، أيضاً، أنه «لا يزال لديها فضولٌ» لمعرفة ماذا لدى بولتون ليقوله.
ولكن بالرغم من ذلك، سعى القادة الجمهوريون إلى التخفيف من أهمية الأخبار الصادرة عن بولتون، أو المرتبطة به، الأمر الذي يؤكد أن الصوت الجمهوري الحازم الذي يؤيّد الاستماع إلى بولتون أو غيره من الشهود، لا يزال بعيد المنال أو غير مسموع بشكل كافٍ، لا سيما أنّ العديد من هؤلاء القادة عكف على التأكيد أن ما نُشر «لا يحمل أي جديد»، مشبّهاً إياه بالاتهامات بالتحرّش الجنسي التي طالت الرئيس سابقاً، من دون أدلّة تستند إليها. ويبدو أن هؤلاء كانوا على علمٍ بكتاب بولتون ومسودته، ذلك أنّ وسائل إعلامية أفادت بأن البيت الأبيض علِم، أيضاً، بما سيقوله بولتون، منذ الثلاثين من كانون الأول / ديسمبر، أي عندما أرسل مسودة كتابه إلى مجلس الأمن القومي من أجل المراجعة، والتأكّد من عدم نشره معلومات سرية.
في غضون ذلك، وبينما يواصل القادة الجمهوريون منع استدعاء أي شاهد جديد، يبدو أن الديموقراطيين قد يلجأون إلى سلوك طريق آخر ربما يسمح بالاستماع إلى الإفادات. فقد أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الجمهوريين لا يملكون الحق في اتخاذ قرار بهذا الشأن. وأشار أستاذا القانون في جامعة «جورجتاون»، نيل كاتيال وجوشوا جيلتزير، وعضو الكونغرس السابق ميكي إدوارد، في مقال مشترك، إلى أنّ رئيس المحكمة العليا جون روبرتس الذي يدير محاكمة ترامب أمام مجلس الشيوخ يملك هذه الصلاحيات. بالتالي، لم يعد يتعلّق الأمر بحاجة الديموقراطيين إلى جمهوريين «معتدلين» للتصويت على استدعاء الشهود، بحسب ما كان يدّعي محامو ترامب. وبدلاً من ذلك، تمنح قواعد محاكمة العزل ــ مثل غيرها من أنظمة المحاكمة ــ صلاحية كبيرة للقاضي، تسمح له بإصدار الاستدعاءات. أما الأمر الأكثر أهمية، فهو أن الأمر يتطلّب ثلثي الأصوات ــ وليس الأغلبية ــ في مجلس الشيوخ، لإلغاء كلّ ذلك، وهو ما لا يمكن للجمهوريين تحصيله في الوقت الحالي.