في لحظة دولية فارقة، مدموغة بحرب تجارية بين واشنطن وبكين، لا يمكن قراءة أي تفصيل في آسيا، وحتى العالم، بمعزل عن الصراع المستجد بين أكبر اقتصادين في العالم. ولا تعد تايوان استثناء على هذه القاعدة، بل لعلها تكون إحدى أبرز تجليات المواجهة الأميركية الصينية «الناعمة» حتى الآن. فلطالما شكلت الجزيرة المقابلة للبر الصيني هاجساً أمنياً على درجة عالية من الحساسية بالنسبة للنظام الشيوعي الحاكم في بكين منذ أكثر من 70 عاماً. وفيما باتت واشنطن على يقين تام بحجم مخاطر سحب الصينيين بساط النفوذ الدولي، سياسياً واقتصادياً، من تحت أقدامها رويداً رويداً، فإنها، وفي عهد رئيس «غريب الأطوار» بكل المقاييس، تعكف على توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى خصومها الاستراتيجيين مفادها أن باستطاعتها زلزلة الجوار الإقليمي تحت أقدام «التنين الآسيوي»، فكانت الحرب التجارية التي أطلق شرارتها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل نحو عامين، ثم أزمة هونغ كونغ، مروراً بمحاولات استمالة نظام بيونغ يانغ، وصولاً إلى انتخابات تايوان الرئاسية الأخيرة قبل أيام.

الحدث الانتخابي على «جزيرة فرموزا»، وهو الاسم القديم لتايوان، وارتداداته الاستراتيجية على المشهد الإقليمي في شرق آسيا، أنعش سيناريوات «الاستقلال» بدعم من القوى الأجنبية. وهذا الأمر قد لاقى أصداءه في الصحف الغربية التي أفردت صفحاتها الأولى لمحاولة فهم خلفيات وتداعيات انتصار الرئيسة الحالية تساي إينغ وين الانتخابي، وما إذا كان سينعكس ذلك اعترافاً بتايوان كـ«جزء من المجتمع الدولي». ففي مقال حمل عنوان: «تايوان تستحق أن تكون دولة عادية»، نشر قبل أسبوع، دعت مجلة «فورين بوليسي» إلى الاستفادة من فوز تساي، محذرة من أن تايوان، وبعد دخول الغرب في مساومات مع بكين بشأن هونغ كونغ «قد تصبح آخر منطقة تتمتع بحرّية إعلامية» ضمن البلدان الناطقة بالصينية. من جهتها، شدّدت مجلة «ذي إيكونوميست» على أن نتائج الانتخابات أظهرت أن «حزب الكومنتانغ يدفع الثمن، باعتباره حزباً مؤيداً للصين (الواحدة)»، وذلك تزامناً مع موجة عالمية معادية لبكين، من جهة، وبروز جيل جديد في تايوان، حتى في أوساط الحزب المذكور، ينظر إلى ضرورة وضع الضمانات الأمنية المعطاة من قبل الولايات المتحدة، في مرتبة سياسية أعلى من المظلة السياسية لبكين من جهة أخرى.
إزاء كل ذلك، يبدو الوضع في تايوان مفتوحاً على احتمالات شتى، تبدأ بالحفاظ على الوضع الراهن على الجزيرة، مع تعديلات «رمزية طفيفة» بين الفينة والأخرى بما ينسجم مع واقع الكباش الأميركي الصيني، ولا تنتهي عند حد حافة حرب قد تقدم عليها القوات الصينية، في حال دغدغ الانتصار الانتخابي أحلام تساي، وأغراها بالذهاب بعيداً في «خياراتها الاستقلالية». ومع أن «الخيار المستقل» لتايوان لا يزال بعيد المنال، ودونه عقبات لا يستهان بها، مرتبطة بشكل أساسي بالخطوط الحمراء التي تضعها بكين حيال القضية، فإن الوضع الخاص بها على درجة عالية من التعقيد. فالصين تغلّف ملف تايوان بنزعة أمن قومي شديدة الحساسية، لا سيما وأن جنرالاتها العسكريين يخلعون عليها مفاهيم «احترام الذات القومية» للبلاد، وهي المسألة التي لطالما حيّدتها عن أيدي القيادات السياسية حتى في عز احتدام المعارك الداخلية على الخيارات الكبرى للسياستين الداخلية والخارجية إبان الثورة الثقافية في ستينيات القرن الماضي. ومع ذلك، تتضافر عوامل موضوعية مع فرضية المتحمّسين للاستقلال في تايوان، خصوصاً وان تايبيه (عاصمة تايوان) عمدت منذ فترة طويلة إلى اتخاذ خطوات بطيئة، قد تعكس في جانب منها طموحات الانسلاخ السياسي والثقافي عن «الشقيقة الكبرى»، على غرار إلغاء حصة البر الرئيسي من مقاعد البرلمان التايواني في العام 1991، وقبلها عقب تصويت الكونغرس على الإبقاء على العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع الدولة الآسيوية الصغيرة. والأكثر خطورة، وإثارة للحساسيات الأمنية للحكومة الصينية في هذا الخصوص، تمثّل في رفض تساي الالتزام بما سمى «إجماع 1992» الذي تعترف بموجبه كل من بكين وتايبيه بصين واحدة، علاوة على إشارة الرئيسة المنتخبة، غداة إعلان فوزها، إلى بلادها باعتبارها «جمهورية الصين: تايوان» خلافاً لما جرت عليه أدبيات الحكم في تايبيه باعتبار أن «جمهورية الصين في تايوان» هي التسمية الرسمية المعتمدة.
يرجع البعض تنامي النزعة الاستقلالية في العقد الأخير لدى شريحة واسعة من سكان تايوان، البالغين 24 مليوناً، إلى طموح ما كان يعرف بـ «وادي سيليكون الشرق» (كإشارة إلى التقدّم التكنولوجي فيها) للانعتاق من الصين الشيوعية، فيما يرجعها البعض الآخر إلى سياسات الترهيب الصريحة والمستترة بشأن الجزيرة الصغيرة من قبل القيادات الصينية المتعاقبة، بينما يرى آخرون أن تضافر هذين العاملين له الأثر الأكبر في تشكّل هذه النزعة. وفق دراسات غربية، فإن 56.9 % من السكان يعبرون عن أنفسهم بصفتهم «مواطنين تايوانيين»، فيما تبلغ نسبة من يعتبرون أنفسهم مزدوجي الهوية، أي تايوانيين صينيين أو صينيين تايوانيين، حوالي 36.5 %، بينما لا تتعدى نسبة من يعدون أنفسهم صينيين حصراً، نسبة 4 %. ورغم أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة عكست مزاجاً مشابهاً، مع حصول مرشحة «الحزب الديمقراطي التقدمي» الحاكم، وهي الرئيسة الحالية تساي إينغ وين، على أكثر من 8 ملايين صوت (تمثل 57.13 % من المقترعين)، فيما حصد مرشح حزب «الكومنتانغ» المعارض، هان كيو يو حوالي 5 ملايين ونصف المليون صوت (ما نسبته 38.61 % من الأصوات) إلا أنه من الصعوبة بمكان قياس المزاج العام الحقيقي بدقة حيال الصين. فحزب «الكومنتانغ»، صاحب التوجهات الليبرالية، والذي تأسس وفق نهج عقائدي فكري وسياسي قائم على فكرة «الصين الواحدة»، هو نفسه الحزب الذي جهد لسنوات منذ هزيمته إبان الحرب الأهلية في أربعينيات القرن الماضي من أجل «استعادة وحدة الصين» ودفع البر الرئيسي للبلاد بعيداً عن الشيوعية، قبل أن تتضاءل حظوظ قناعاته مع مرور الوقت. وهو الحزب نفسه الذي قاد تايوان طيلة العقود الأربعة الأخيرة، كونه يعد مؤسس «جمهورية الصين» بنسختها التايوانية، حينما أرسى لبنات «اللبرلة» بوجهها الاقتصادي، ثم السياسي في مرحلة لاحقة. ومن المعروف أنه بقي محافظاً على وشائج الارتباط القومي بالشعب الصيني على الجهة المقابلة من مضيق تايوان، من البوابتين الثقافية والاقتصادية، ذلك أن صيغة «دولة واحدة، ونظامان» الذي تتمسك به بكين في التعامل مع جوارها القريب، لم تعترض عليه تايبيه على مدى عقود خلت، بالنظر إلى كونها ترتبط بمفهوم «الانسجام والاختلاف» المتجذر في الثقافة الكونفوشيوسية ذات الحضور الضارب في عمق تاريخ «الشقيقتين اللدودتين». كما أنه لا يمكن إنكار دور «الدياسبورا» الصينية، لا سيما في تايوان، في تحقيق «معجزة الصعود الصيني» السريع منذ دخول الدولة الشيوعية حقبة ما يسمى «الإصلاح والانفتاح» قبل نحو 40 عاماً، وذلك من خلال تدفق الاستثمارات من الجزيرة.

التدخّل الأميركي
على ما يبدو، فإن واشنطن تحاول أن تصطاد في ماء المواقف الصينية حيال تايوان، ومن «نكسات» نهج بكين المتبع حيال الأزمة السياسية في هونغ كونغ من أجل المراهنة عليها في «اللعبة الكبرى» الدائرة في الصراع على آسيا. ففي الخريف الماضي، وخلال الاحتفالات بالذكرى الـ 70 لتأسيس «جمهورية الصين الشعبية»، أعاد الرئيس الصيني تشي جين بينغ، التأكيد على أن صيغة «دولة واحدة ونظامان» المعتمدة في هونغ كونغ هي النموذج الأصلح لتايوان أيضاً، لا سيما وأنه كان قد لفت إلى أن فهم حلفائه على الضفة الأخرى من المضيق لعبارة «الصين الواحدة» لا تتماثل مع فهم القيادة الصينية لها، ملمحاً إلى أن غزو الجزيرة خيار متاح على الطاولة. في حين تم النظر إلى أسلوب بكين في التعامل مع الاحتجاجات الناشئة في هونغ كونغ، الإقليم الإداري الذي يتمتع بحكم ذاتي، والعائد إلى السيادة الصينية منذ العام 1997، على أنه يعكس شكلاً من أشكال سياسات «الإلحاق القسري» للإقليم بركب الدولة الشيوعية، وهو ما ارتد سلباً على صورة بكين داخل تايوان، التي كانت تشهد بوادر انتعاشة سياسية لحزب «الكومنتانغ»، المعارض للرئيسة الجديدة، قبل أن تعود وتكتسح الأخيرة في الانتخابات الرئاسية قبل نحو أسبوعين.

لا تخفي دوائر ونخب سياسية أميركية رغبتها في استثمار نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية


وفي العموم، يمكن القول إن التقييم العام لمقاربة إدارة ترامب لملف تايوان، يقوم على وجهتين أساسيتين:
- ترمي الأولى إلى تعزيز الولايات المتحدة لـ«الخط الاستقلالي» في تايبيه عبر خطوات تدرجية ذات منحى تصاعدي، تأخذ بعين الاعتبار مراعاة استكمال مسار «اللبرلة» في البلاد، وتدعيم سجلها في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب الحفاظ على «خصوصية» الهوية السياسية لها على نحو يكفل مواصلة «الضغط الدبلوماسي» على بكين في الملفات الخلافية، لا سيما قضايا التجارة والأمن القومي.
- فيما ترمي الثانية إلى استجلاب دعم قوى إقليمية بارزة، كاليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب قوى صاعدة، كالهند وفييتنام، لرفد الجهود الأميركية بما يفضي في نهاية المطاف إلى تحسين صورة واشنطن كطرف «مدافع عن الديمقراطية»، وانحياز تلك الدول لأميركا على حساب الصين في صراع من شأنه أن يحسم هوية شرق آسيا والمحيط الهادئ لعقود قادمة.
لا تخفي دوائر ونخب سياسية أميركية رغبتها في استثمار نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية، وسقوط مرشح حزب «الكومنتانغ»، أو ما يسمى حزب «الخيار الصيني»، فيها، من أجل الدفع باتجاه تغيير «الاستراتيجية الدفاعية» للبلاد. وتشمل تلك التغييرات دعوة صريحة إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتغيير استراتيجيتها، وتكتيكاتها «التقليدية» المتبعة، من أجل اعتماد أساليب أكثر تماشياً مع مفهوم «الحرب اللامتماثلة بما يخدم أهداف الردع في وجه بكين»، بصورة تتيح إشراك الفئات الشعبية على اختلافها من مواطني الجزيرة بمهام التصدي لـ«غزو محتمل» من قبل «جيش التحرير الشعبي» الصيني، فضلاً عن إعادة ترسيم حدود العلاقات المدنية العسكرية على نحو يفضي في نهاية المطاف إلى تقليص سطوة الجنرالات داخل مؤسسة الدفاع التايوانية، التي تعد إحدى رموز إرث حقبة حكم «الكومنتانغ»، صاحب التوجهات المؤيدة للاندماج مع البر الرئيسي للصين ضمن دولة واحدة، وذلك لحساب جهات مدنية مثل وزارة الدفاع وإدارة الأمن القومي. ولا يقف «مقص» التعديلات المرغوبة أميركياً عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الاستفادة من إحالة عدد كبير من الضباط المحسوبين تاريخياً على «الكومنتانغ»، من أجل تشكيل جيل جديد من القيادات العسكرية الشابة، التي تدين بالولاء إلى هذا النهج الجديد في الحكم، على أن تتلقى تدريباتها وعلومها العسكرية في «أرقى» الأكاديميات العسكرية في العالم الغربي، لا سيما الولايات المتحدة. على هذا الأساس، فإن تعاقد تايبيه مع واشنطن، في الآونة الأخيرة، على توريد 250 صاروخ «ستينغر»، المحمولة على الكتف والمضادة للطائرات، إلى جانب 1500 صاروخ مضاد للدروع، تشي بأن تحول «الاستراتيجية الدفاعية» لتايوان تجاه الصين قد غادر حيز الأماني، وبات يشق طريقه شيئاً فشيئاً على الأرض.

خيارات بكين
أما خيارات الصين في المقابل، فقد تتمحور حول الإبقاء على الوضع القائم إلى ما لا نهاية وفق معادلة «لا استقلال، لا حرب»، مروراً بخيار موازٍ يقوم على مواصلة تعزيز قوتها الناعمة داخل تايوان من خلال دعم أجندة حلفائها في «الكومنتانغ» من بوابة التجارة والسياحة جنباً إلى جنب، مع الاستمرار في سياسة تضييق الفضاء الدولي في وجه تايبيه على وقع توالي تقليص عدد أعضاء نادي الدول المعترفة بتايوان، والذي لم يعد يتجاوز 15 دولة بعد سحب 7 دول اعترافها بتايوان منذ وصول تساي إلى سدة الحكم في العام 2016، وصولاً إلى خيار المضي قدماً في تقويض شرعية حكومة تساي داخلياً من خلال العمل المباشر مع الحكومات المحلية. وهو خيار وفق محللين قد يفتح الباب أمام خيار «القرم» في تايوان، أو حتى إلى غزو شامل الجزيرة وفق آخرين، في حال مضت الأخيرة نحو اعلان الاستقلال التام.
وفي المحصلة، يحمل تقييم سياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة، إلى جانب تحليل عدد من الآراء في شخصية ترامب وضبابية خطابه، علاوة على السوابق التاريخية في السياسة الخارجية الأميركية، خلاصة واحدة مفادها اعتماد تايوان كورقة مقايضة فاعلة في رسائل الحرب والسلم على خط بكين - واشنطن. ذلك أن الأخيرة سحبت اعترافها باستقلال تايوان عقب تدشين العلاقات الثنائية بينهما في سبعينيات القرن الماضي، وأقرت للجانب الصيني بسياسة «الصين الواحدة». في حين سجلت الأزمة في مضيق تايوان بين عامي 1995 و1996 إرسال الرئيس بيل كليتون قطع حربية لعبور المضيق، كمؤشر على دعم تايبيه، قبل أن يعود في العام 1998 ليقول إن «الولايات المتحدة لن تؤيد استقلال» الجزيرة إثر حسم خلافات مهمة بين الجانبين الأميركي والصيني. كذلك فعل خلفه جورج بوش في نيسان/ أبريل من العام 2001 حين تعهد بـ«القيام بأي شيء من أجل الدفاع» عن الجزيرة في وجه الصين، ومن ثم اضطراره إلى تخفيف حدة لهجته إزاء العملاق الآسيوي، مع تركيز إدارته على مكافحة الإرهاب. وها هو اليوم دونالد ترامب، الذي كثيراً ما يوصف بصانع الصفقات، أو رجل الأعمال المغامر تارة والمهادن تارة أخرى، يعيد الكرّة حيث تعهد للرئيسة التايوانية في اتصال هاتفي مطلع عهده بإعادة النظر في «مبدأ الصين الواحدة»، ثم ليسحب كلامه في اتصال هاتفي آخر مع الرئيس الصيني مقراً التزامه هذا المبدأ. وانطلاقاً من تلك التفسيرات، ينظر إلى أن الهدف النهائي لواشنطن من إدارة الأزمة التايوانية يرتبط بحسابات صينية للعقل الاستراتيجي الأميركي في المقام الأول، لأن مجرد التلويح باستقلال الجزيرة عن الصين يعد «أداة ابتزاز» في وجه الأخيرة، أكثر منه هدفاً نهائياً بحد ذاته، لا سيما وأن المعادلة التي تحكم نظرة الأميركيين في هذا الخصوص تفيد بأن ترسيخ الهوية السياسية لتايوان بشكل «أكثر صلابة»، يشكل فائدة استراتيجية لبلادهم في سياق صراع ملحمي مع خصومهم الصينيين. فحتى الساعة، لا يبدو الجانب الأميركي مستعجلاً لاستقلال تايوان على الأمد القصير، أو حتى كسر العزلة الدبلوماسية الدولية المفروضة عليها قسراً وفق مقتضيات تعود إلى بدايات تبلور «الوفاق الصيني - الأميركي» في سبعينيات القرن الماضي، ما يشي بأن الفترة المتبقية من ولاية ترامب الرئاسية ستحفل بـ«المزيد من الأمور نفسها» على صعيد العلاقات بين واشنطن وتايبيه، على غرار تبادل الاتصالات الهاتفية على مستوى الرؤساء والقيادات، والوفود التجارية، وزيارات رسمية متبادلة.
وفي ضوء ما سبق، فإن مواقف إدارة ترامب، والتي نظر إليها على أنها إحدى أكثر الإدارات الأميركية دعماً لتايبيه، وذلك بالنظر إلى جرأتها في مقاربة الملف التايواني الفائق الحساسية لبكين، فإنها لا تزال تقابل بتشكيك من قبل العديد من المحللين والسياسيين في تايوان، من ضمنهم شخصيات هم في عداد الدائرة المحيطة بالرئيسة تساي. وفي هذا السياق، تنقل مجلة «ذي أتلانتيك» عن مستشار تساي لشؤون السياسة الخارجية تخوّفه من أن وجود «صين غاضبة (من نهج التقارب مع واشنطن) يحمل تبعات أكبر بكثير بالنسبة لدولة صغيرة بحجم تايوان، مقارنة بدولة كبرى بحجم أميركا، التي تقع على بعد محيط» من الأراضي الصينية، معتبراً أنه يتعين على بلاده أن تكون «أكثر حذراً» إزاء واشنطن، حتى لا تكون «كبش فداء» الخلاف الأميركي - الصيني. وفي الإطار عينه، يشير بعض المحللين إلى أن الرئيس الأميركي، ومنذ مكالمته «الكاسرة لقواعد البروتوكول السياسي» بين بكين وواشنطن، عمد إلى التخفيف من تشدده حيال هذه القضية، وينحو في انتهاج مسار تراجعي، عوض دفع العلاقات الأميركية - التايوانية «غير الرسمية» قدماً. من هنا، رأى الباحث في «معهد تايوان للعلاقات الدولية» بجامعة «شانغ سي» أن ترامب استعاد «المسار المعتاد» بشأن سياسة بلاده حيال القضية التايوانية، وهو مسار يتمحور حول «تسهيل تثبيت استقرار العلاقات عبر المضيق» بين أطراف مثلث واشنطن - تايبيه - بكين، مشدداً على أن ذلك يشكل «دليلاً إضافياً على أن تكهنات حلفاء أميركا بشأن وجهة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب يعد أمراً مستحيلاً».
كيف ستكون وجهة السياسة الأميركية تجاه تايوان خلال الفترة المقبلة، وهل يقرن ترامب أقواله حيال إعادة النظر بالسياسة الخارجية الأميركية التقليدية تجاه الجزيرة بالأفعال؟ ومن ثم كيف سيكون رد فعل الصين حيال كل ذلك؟ حتى الآن، يميل البعض إلى تلقف مؤشرات التلاقي الصيني - الأميركي بعد التوصل إلى توقيع اتفاق تجاري مرحلي أخيراً، خاصة وأن تركيز ترامب بدأ يتجه صوب المعركة الانتخابية الرئاسية المقبلة أواخر العام الجاري، فيما يتحفز البعض للنظر إلى نتائج انتخابات الرئاسة في تايوان قبل أيام باعتبارها أحد أكبر دوافع وضع هدف الارتقاء بالعلاقات بين واشنطن وتايبيه إلى مستويات غير مسبوقة على جدول أعمال الإدارة الأميركية المقبلة مطلع العام 2021.