غالباً ما تعكس تقارير وتقديرات مراكز الأبحاث والدراسات في الولايات المتحدة توجّهات قائمة أو مستقبلية أو محفزة للإدارة الأميركية. ولا يمكن، بطبيعة الحال، اعتبار هذه المراكز مستقلة عن التكتلات السياسية أو المؤسسات الرسمية. فكلّ واحدة منها مرتبطة، كلياً أو جزئياً، بطرف أو بآخر في المنظومة الأميركية. مؤسسة «راند» (RAND)، التي تأسّست في العام 1946 بتمويل من القوات الجوية الأميركية ومن ثمّ من «وقف فورد» ومن ثمّ الحكومة الفديرالية الأميركية، هي إحدى مؤسسات إنتاج الفكر المهمّة في واشنطن. وقد نشرت قبل أيام تقريراً مخصّصاً لتركيا بعنوان: «المسار القومي لتركيا: الآثار المترتبة على الشراكة الاستراتيجية الأميركية - التركية، والجيش الأميركي» (Implications for the U.S.-Turkish Strategic Partnership and the U.S. Army). ويأتي التقرير في ظلّ توتر ظاهر في العلاقات الثنائية بسبب التقارب التركي المتنامي مع روسيا، ومن أبرز وجوهه شراء منظومة «أس 400» الروسية، وأيضاً التقارب الأميركي مع قبرص اليونانية واليونان على خلفية الصراع التركي مع دول في شرق المتوسط على التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي.

ويذكر التقرير، المؤلف من تسعة فصول والواقع في 276 صفحة كتبها 10 باحثين، في مقدّمته، أن الهدف منه «تطوير العلاقات الاستراتيجية الطويلة المدى لمنع الانهيار الهدّام في العلاقات التركية - الأميركية». وهو يتناول الجوانب المختلفة من العلاقات التركية مع الخارج، ومجالات الالتقاء والصدام مع روسيا وإسرائيل وإيران والدول العربية وغيرها من الدول. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيذكر المجالات الـ7 التالية كساحات للتوتر: السياسة تجاه سوريا، العلاقة التكتيكية لأميركا مع حزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي» السوري و«قوات سوريا الديموقراطية»، إعادة فتح الله غولن، الدعوى المقامة ضدّ مهرّب الذهب رضا زراب وعلاقته بإردوغان، الحملة المعادية لأميركا في تركيا، النظام الدفاعي التركي غير الأطلسي (صواريخ أس 400)، اعتقال تركيا لمواطنين أميركيين.
ولعلّ المقطع الذي أثار المراقبين في تركيا هو الذي يقول إنه «في حال ظهور زعيم للمعارضة، أو تحالف قابل للعيش في تركيا، فإنه يمكن له أن يطيح أردوغان وحزب العدالة والتنمية في العام 2023. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإنه ينتظر أن تبدر مواقف تصالحية وأكثر مرونة من جانب تركيا تجاه الولايات المتحدة، نظراً إلى أن أحزاب المعارضة الثلاثة الموجودة في البرلمان تدعو إلى إحياء العلاقات التركية مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وفي حال حصول هذه المصالحة، فإنها يمكن أن تحدّ من الشكوك الموجودة ضمن الرأي العام تجاه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لكن في النهاية، في حال بقاء إردوغان في السلطة، فإن العلاقات ستبقى على ما هي عليه اليوم، أي لا تتطور ولا تتراجع».

تركيا ستبقى بحاجة إلى الولايات المتحدة عسكرياً، على الأقلّ في السنوات العشر المقبلة


تلفت في التقرير إشارته إلى وزير الدفاع خلوصي آقار، واعتباره إياه مفتاحاً داخل الحكومة التركية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وأنه يجب أخذ ذلك بعين الاعتبار لتطوير العلاقات التركية - الأميركية، وإحياء «مجموعة الدفاع العليا التركية - الأميركية». وقد أثارت هذه الإشارة تساؤلات عمّا إذا كانت واشنطن تعدّ آقار لخلافة إردوغان.
ويرى التقرير أن تطوير العلاقات العسكرية بين البلدين يجب أن يبقى هدفاً مركزياً لواشنطن، مع تشجيع استمرار تدريب العسكريين الأتراك في أميركا، وتعزيز المفردات العسكرية المستخدمة في جامعة الدفاع الوطني التركية التي تخرّج الضباط. لأنه، على رغم العلاقات المتنامية العسكرية بين تركيا وروسيا، فإن تركيا ستبقى بحاجة إلى الولايات المتحدة عسكرياً، على الأقلّ في السنوات العشر المقبلة. يذكر التقرير أن الضباط الأتراك من الرتب المتوسطة هم الأكثر قلقاً نتيجة التصفيات التي طالت هذه الفئة بعد محاولة انقلاب 15 تموز 2016. بل إنه يقول إن إردوغان يأخذ بجدية مخاطر قيام انقلاب عسكري بقيادة الضباط المتوسّطي الرتب.
أما في ما يتعلّق بالسيناريوات المستقبلية مع تركيا، فقد عدّدها التقرير، وهي 4:
1- تركيا حليف صعب ومتردّد. لكنها تبقى مرتبطة بالضمانات الأمنية الجماعية والعمليات والسياسات الخاصة بـ«حلف شمال الأطلسي». ستبقى العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة على قاعدة «خذ - أعطِ»، ويمكن إدارتها رغم الاختلافات الكبيرة.
2- نجاح زعيم أو تحالف المعارضة في إلحاق الهزيمة برجب طيب إردوغان في العام 2023، وإجراء تعديلات على التعديلات الدستورية التي حصلت عام 2017، والعودة إلى السياسات الخارجية والأمنية الموجّهة للغرب.
3- توجّه تركيا إلى إقامة توازن بين حلفائها في حلف «شمال الأطلسي» وشركائها في أوراسيا، أي روسيا وإيران والصين.
4- وصول الشكوك والاختلافات مع أوروبا والولايات المتحدة إلى نقطة الانكسار، وأن تخرج تركيا من «شمال الأطلسي»، وتذهب إلى علاقات وثيقة مع شركائها في الشرق الأوسط وأوراسيا. ومثل هذا الوضع يمكن أن يصل إلى مرحلة الصدامات العسكرية.
لا يرجّح التقرير أيّاً من السيناريوات المتقدّمة، ولكنه يقول إن كلّ الزعماء الأتراك، بمن فيهم إردوغان، يرون أن الإطار الأكثر معقولية لضمان أمن تركيا هو حلف «شمال الأطلسي»، مع التنبيه إلى ضرورة أن يكون الحلف على جاهزية لإمكانية خسارة قاعدة «إينجرليك» وقواعده الأخرى في تركيا.