خلال زيارته إلى بروكسيل لحضور اجتماعات حلف «الناتو»، أعاد رئيس الأركان الأميركي، مارك ميلي، تأكيد نية الولايات المتحدة الانسحاب من بعض ساحات انتشارها العسكري كأفريقيا والشرق الأوسط. وينسجم قرار التخفيض الكبير لعديد هذه القوات مع استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة التي أُعلنت بداية عام 2018، والمتمحورة حول «التحدّيات المفروضة من الصين وروسيا»، وضرورة مراجعة أولويات واشنطن انطلاقاً منها. لكن قرار تغيير الأولويات الأميركية المذكور، والانتقال من الحرب على الإرهاب إلى التنافس بين القوى العظمى، إشكالي بالنسبة إلى شركاء الولايات المتحدة الأفارقة المستفيدين من مساعداتها العسكرية، وأيضاً إلى القوات الفرنسية المتواجدة في غرب أفريقيا.
يأتي انحسار الوجود العسكري الأميركي في القارة كجزء من إعادة جدولة الأولويات الاستراتيجية


منذ عام 2002، رَكّزت الولايات المتحدة جلّ جهودها على مكافحة الإرهاب في النيجر ومنطقة الساحل، بتعاون وثيق مع مجموعة الدول الخمس، وكذلك مع الجزائر والمغرب ونيجيريا وليبيا والسنغال وتونس. سمح هذا التعاون بتجهيز وتنظيم وتدريب قوات عسكرية محلية وبتحديث قدراتها، وسَهّل على الأجهزة الأميركية تطوير شبكاتها الاستخبارية والحصول على مصادر مهمة للمعلومات والمعطيات. من جهة أخرى، ومنذ الشروع في عملية «سيرفال» عام 2013، أمّن الوجود العسكري الأميركي دعماً ثميناً لفرنسا التي تضطلع بالدور الرئيسي في ما سُمّي عملية «برخان». ويتضمّن التعاون الأميركي - الفرنسي مساعدة أميركية على مستوى المعلومات التقنية والنقل والتزوّد بالوقود جواً. سَمَح الدعم الأميركي الحاسم بتجاوز بعض الثغرات اللوجيستية خلال العمليات الميدانية. وقد ذَكّر مقال بعنوان «المساعدة الأميركية المخصّصة لمكافحة الإرهاب لدول الساحل تضاعفت لتصل إلى 111 مليون دولار»، نُشر على موقع «ذي دفنس بوست»، بأهمية الدعم المالي المُقدّم من واشنطن في هذا المضمار. وكانت الولايات المتحدة قد وعدت بتأمين مساعدة مباشرة قيمتها 111 مليون دولار للقوة المشتركة لبلدان الساحل، تسمح بتجهيز وتدريب كتيبة في كلّ منها. وقد تمّ استكمال هذه المساعدة «بدعم إضافي بقيمة 131 مليون دولار مخصّص لتعزيز الأمن في كلّ دولة من مجموعة الدول الخمس، وتطوير قدراتها العسكرية والقضائية وفي مجال تطبيق القانون». لكن إعادة النظر في الانتشار العسكري الأميركي عبر العالم، والانسحاب من معارك مكافحة الإرهاب، المرتبطين بالدور الاستراتيجي المتعاظم للصين وروسيا على النطاق الدولي، ستكون لهما تداعيات سلبية على شركاء واشنطن الأفارقة وعلى قدراتهم على مكافحة الإرهاب.
يثير القرار الأميركي تخفيض الوجود العسكري تساؤلات عن وجاهته بين بعض المراقبين، في ظلّ توسع النفوذ الروسي والصيني في القارة الأفريقية. وإذا بدا للوهلة الأولى أن هذا القرار يتناقض مع الهدف الأميركي المعلَن بمواجهة هذين المنافسَين الدوليَّين، فإن معطيات أخرى تكشف أن تغيير المقاربة حيال أفريقيا وثيق الصلة بتوجّه للحدّ من تنامي القدرات الاقتصادية الصينية.
لا يمكن الحديث الى الآن عن تخلّي واشنطن عن المقاربة الأمنية لشؤون أفريقيا، لأن بإمكانها التعويض عن وجودها العسكري الرسمي عبر اللجوء إلى شركات الأمن الخاص. الطلب على تدخل هذه الأخيرة كان قد ارتفع في إطار برنامج «أكوتا» منذ عام 2004، وهو مخصّص لتدريب وتطوير الخبرات العسكرية والقيادية لجيوش في عدة بلدان أفريقية. وكما لفتت آلين لوبوف في دراسة صادرة عن «المركز الفرنسي للعلاقات الدولية» في آب/ أغسطس 2019، عن التنافس الاستراتيجي في أفريقيا، فإن متقاعدين من أجهزة أمنية غير أفريقية أو شركات أمنية خاصة، يقومون بتدريب وتنظيم القوات المسلحة المحلية، «يستطيعون حتى التخطيط لعمليات تنفذها وحدات من هذه القوات، سواء كانت عمليات استطلاع أم هجمات على أهداف تُعتبر خطرة». هذه الشركات الخاصة من المحتمل أن تُعتبر بديلاً جدّياً من القوات الأميركية.
الولايات المتحدة كانت قد اتجهت لتقوية تعاونها الاقتصادي مع أفريقيا، كردّ فعل استراتيجي على الوجود الصيني المتعاظم في القارة. وفي عام2017، وصل إجمالي المبادلات بين واشنطن، الشريك التجاري الثالث لأفريقيا، ودول القارة إلى حوالى 39 مليار دولار، بينما احتلّت الصين المرتبة الأولى مع 170 مليار دولار. دفع هذا الواقع مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، إلى الإعلان، في كانون الأول/ ديسمبر 2018، عن إطلاق برنامج «ازدهار أفريقيا» الأميركي، والهادف إلى تطوير العلاقات التجارية وحجم المبادلات لمنع خضوع بلدان القارة اقتصادياً للصين.

إعادة النظر في الانتشار الأميركي ستكون له تداعيات سلبية على شركاء واشنطن الأفارقة

وفي إطار هذا البرنامج، تمّ تخصيص 60 مليون دولار لـ«شركة الاستثمار الخاص عبر البحار» لتُقدّم المساعدات التقنية والاستشارية للشركات الراغبة في العمل في أفريقيا. سيصل عدد المستهلكين في القارة إلى 1.52 مليار تقريباً عام 2025، أي حوالى 5 أضعاف سكان الولايات المتحدة، بحسب مقال لـ«واشنطن بوست» في 19 حزيران/ يونيو 2019. وقد عكس انعقاد منتدى «أغوا» في أبيدجان، والذي يضمّ الولايات المتحدة و39 دولة أفريقية، تحوّل الاستراتيجية الأميركية من التركيز الحصري على الاعتبارات الأمنية، إلى أولوية احتواء صعود النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي في القارة.
يأتي انحسار الوجود العسكري الأميركي في القارة كجزء من إعادة جدولة الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة، المدرِكة عدم قدرتها على الاحتفاظ بوجود عسكري كثيف في أوروبا وفي الشرق الأوسط وفي آسيا، والاستمرار في المشاركة النشطة في مكافحة الإرهاب في أفريقيا. الاستراتيجية الوحيدة المناسبة لواشنطن، بناءً على هذه المعطيات، هي إعادة تنظيم انتشارها العسكري، مع المضيّ قُدُماً في المنافسة الاقتصادية المحتدمة في أفريقيا.