لا تزال طهران تعيش تداعيات ما بعد اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، وذلك في أكثر من اتجاه، أهمّها: الأزمة الداخلية الناجمة عن مأساة إسقاط الطائرة الأوكرانية، والتصعيد مع الولايات المتحدة، وكذلك الأزمة المتصاعدة مع الأوروبيين جرّاء الخطوة الأخيرة من خطوات التحلّل من التزامات الاتفاق النووي.

داخلياً، تسعى طهران في لملمة ذيول حادثة قصف الطائرة الأوكرانية بعد الظن أنها صاروخ «كروز» أميركي ليلة قصف الحرس الثوري قاعدة «عين الأسد» الأميركية رداً على اغتيال سليماني. الحادثة تَسبّبت بحالة حزن وغضب واسعة، فيما لا تزال الاحتجاجات المطالِبة بإيقاف المسؤولين عنها متواصلة، وذلك بعد اعتراف الحرس الثوري بمسؤولية خطأ بشري عن ضرب الطائرة. وفي هذا الإطار، أعلنت السلطات، أمس، توقيف أشخاص متهمين بالمسؤولية عن الحادثة. وقال المتحدث باسم السلطة القضائية، غلام حسين إسماعيلي، إنه جرى توقيف البعض مِمّن اتهموا بالاضطلاع بدور في الكارثة. في المقابل، أفادت الهيئة القضائية بتوقيف 30 شخصاً من المشاركين في الاحتجاجات، وأكدت أن السلطات ستبدي تسامحاً مع «المتظاهرين بشكل قانوني»، فيما نفت الشرطة استخدام الرصاص ضدّ المحتجين. من جهته، وعد الرئيس حسن روحاني بإجراء تحقيق معمّق بشأن إسقاط الطائرة، والذي وصفه بأنه «خطأ لا يغتفر».
ووسط استغلال القوى السياسية للحادثة وتداعياتها لتصفية حساباتها والاستفادة من السجال عشية الانتخابات البرلمانية، بدا المشهد في الجمهورية الإسلامية أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى، لاسيما مع توقيت المواجهة مع الخارج. مشهدٌ يدفع بالمرشد علي خامنئي، على ما يبدو، إلى القيام بخطوة نادرة بعد أيام، وهي إمامة صلاة الجمعة في طهران، حيث سيلقي خطبة تتوجّه إليها الأنظار باعتبارها ستحمل مواقف مهمة داخلياً وخارجياً، لاسيما وأن المرشد يندر أن يؤمّ صلاة الجمعة، وهو يفعل ذلك في الأحداث المفصلية، كما فعل إبان ثورة مصر وعقب احتجاجات «الحركة الخضراء» في إيران عام 2009.

يَندر أن يؤمّ المرشد خامنئي صلاة الجمعة


يجري كلّ ذلك بموازاة مسعى أميركي وبريطاني حثيث لاستغلال الحدث الداخلي، تجلّى في مواصلة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التغريد بالفارسية، وتناقل وزارئه مقاطع فيديو للاحتجاجات، في محاولة للتعويض عن المشهد المليوني الغاضب في تشييع سليماني ورفاقه. وفي طهران، لا تزال مشاركة السفير البريطاني، روب ماكير، في الاحتجاجات، تحظى بمواقف منددة. وفيما تمّ توقيف ماكير لدقائق، ومن ثمّ استدعته وزارة الخارجية، رأت السلطة القضائية أمس أنه «عنصر غير مرغوب فيه»، في خطوة تصعيدية لكن غير كافية لطرده إذا لم تقرّر الخارجية ذلك.
خارجياً، ذهبت الترويكا الأوروبية (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا)، أمس، إلى خيار «آلية فضّ النزاع» في الاتفاق النووي، رداً على «الخطوة الخامسة» في إيران والتي تحلّلت طهران بموجبها من كلّ القيود في الاتفاق من دون أن تطرد المفتشين. والآلية المذكورة تعدّ مساراً دبلوماسياً معقداً قد يفضي في النهاية إلى إعادة عقوبات الأمم المتحدة على إيران. لكن لهجة الأوروبيين بقيت منخفضة، بما يوحي بأن الضغوط هدفها التراجع خطوة إلى الوراء، في معرض الردّ على الإجراءات الإيرانية، بموازاة تفعيل المفاوضات مع طهران. مع ذلك، يتخوف مراقبون غربيون من تأثير رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الذي سبق وصرّح بانضمامه إلى ترامب في المطالبة باتفاق نووي جديد.
التحرك الأوروبي حظي بإدانة موسكو التي حذّرت من «تصعيد جديد». ورفضت الخارجية الروسية التبريرات لمثل هذه الخطوة، وشددت على أن الآلية «وُضعت لأغراض مختلفة تماماً»، وأن الأزمة سببها الانسحاب الأميركي من الاتفاق. أما طهران، فدعت خارجيتها، في تعليق على الإعلان الأوروبي، الترويكا، إلى تحمّل عواقب تفعيل آلية فضّ النزاع، مُهدّدة بردّ «جدّي وحازم على أيّ إجراء غير بناء». وأوضح المتحدث باسم الوزارة أن بلاده هي التي بدأت بتفعيل الآلية عبر خطواتها، وعلى ضوء ذلك فإن الإجراء الأوروبي «لا يمثّل شيئاً جديداً».