حتى مساء أمس، لم تصدر أيّ تعليقات، لا سيما من العراق، في شأن موافقة «حلف شمال الأطلسي» على «توسيع» وجوده إقليمياً. عملياً، فإن ما يخطّط له هو على الشكل الآتي: يخرج «التحالف الدولي» بعدما أنجز مهمّته المتمثّلة في «دحر» تنظيم «داعش»، ليفسح في المجال أمام دخول «الأطلسي» بمهمّات، وإن كانت ملتبسة، إلا أنها تشمل «تدريب القوات المحلية» و«مواجهة الإرهاب الدولي»، وفق ما هو مُعلن. «حفل» التسليم والتسلُّم المحتمل هذا، والذي مهّد له الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه الذي أعقب الضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدتَي «عين الأسد» وأربيل الأميركيتَين، سيعني مزيداً من توريط «حلفاء» واشنطن في المنطقة جنباً إلى جنب بقاء القوات الأميركية تحت راية مختلفة، وهو ما يؤشّر إلى مزيد مِن الفوضى في مقبل الأيام، في ما لو تحقّق تبدّل الرايات واقعاً.

وعبر سعيه إلى ترسيخ معادلة جديدة في الإقليم، يكون الرئيس الأميركي قد حقّق اثنين من جملة أهداف تخصّ برنامجه الانتخابي: أولهما، دفع حلفائه الأوروبيين إلى المساهمة بشكل مؤثّر ضمن «الحلف»، وثانيهما، تقليص عديد القوات الأميركية الموجودة في المنطقة بما يتناسب مع وعود حملته الانتخابية، تمهيداً لحجز ولاية ثانية له نهاية العام الجاري. وكحلٍّ يرضي ترامب، دعا هذا الأخير دول «الأطلسي» إلى الاضطلاع بدور أكبر في المنطقة. دعوةٌ سرعان ما وجدت صدىً إيجابياً لدى «الحلف» الذي تعهّد بصيانة مهمّات «التحالف الدولي»، بما يشمل، بالدرجة الأولى، «تدريب القوات المحلية على محاربة الإرهاب»، وفق أمينه العام ينس ستولتنبرغ.

اتفق ترامب وستولتنبرغ على أن في إمكان «الحلف» الإسهام في مواجهة «الإرهاب الدولي»


موافقة «الناتو» على توسيع وجوده في المنطقة أعقبت مكالمة هاتفية بين ترامب وستولتنبرغ، أول من أمس، شدّد فيها الأول على ضرورة أن يؤدّي الحلفاء الغربيون في «الأطلسي» دوراً أكبر في منطقة الشرق الأوسط، وصولاً إلى اتفاق الطرفين على أن «في إمكان الحلف المساهمة بشكل أكبر في الاستقرار الإقليمي ومواجهة الإرهاب الدولي»، على خلفية الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت قاعدتَين أميركيتَين في العراق، ردّاً على اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني. لكن الأمين العام عاد ليوضح، في مؤتمر صحافي مِن رومانيا يوم أمس، «(أننا) ننظر حالياً في خيارات مختلفة، ونحتاج إلى اتخاذ قرار صحيح في شأن طبيعة إشراك قوات الناتو وحلفائه»، كما «علينا مناقشة هذا الموضوع مع دول المنطقة»، مشدداً على أن «الطريق الأفضل لمحاربة الإرهاب هو إعطاء القوات المحلية إمكانية أن تحاربه بنفسها»، وليس «إشراك قوات الناتو في العمليات العسكرية».
الحلف الذي تباهى طويلاً بأنه «الأكثر نجاحاً في التاريخ» لناحية مساهمته الرئيسة في ضمان استقرار أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة، والذي يتركّز دوره خصوصاً في أوروبا وأميركا الشمالية، تمّ تعليق عمل بعثة التدريب الخاصة به إلى العراق، والتي تضمّ 500 جندي تحت راية «التحالف»، منذ اغتيال سليماني فجر الثالث من الشهر الجاري. كذلك، تمّ سحب بعض القوات الحليفة المرتبطة بالبعثة مِن العراق «حفاظاً على سلامتهم»، في إجراء وصفه ستولتنبرغ بأنه «موقّت». جاء ذلك توازياً مع انتفاء دور «التحالف الدولي» لمحاربة «داعش»، بعدما أعلن عدد من الدول الأوروبية والآسيوية المنضوية تحته نقل جنودها من العراق إلى الكويت وأماكن أخرى غير معلنة، على خلفية تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب إعلانه تعليق تدريب القوات العراقية وعملياته العسكريّة ضدّ «داعش»، من أجل التركيز على حماية القواعد العسكرية العراقية التي تستضيف جنوداً تابعين له، وفي انتظار «توضيح حول تأثير قرار البرلمان العراقي في شأن وجود القوات الأجنبية على بقاء عناصره في العراق».