تزامن صدور التقدير السنوي لـ«معهد أبحاث الأمن القومي» في إسرائيل مع اغتيال الولايات المتحدة قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني الفريق قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» العراقي أبشو مهدي المهندس، ما فرض إدخال تعديلات على التقدير، نتيجة هذا الحدث المفصلي الذي أنتج سياقاً جديداً على مستوى المنطقة، وربما يؤدي إلى تغيير استراتيجي فيها، بحسب التقدير، الذي نبّه إلى أن التحدّيات الأمنية في الجبهة الشمالية تشكّل التهديد الأخطر خلال سنة 2020.

وعلى رغم الحديث المتكرّر، كما في كلّ تقدير سنوي، عن تعزّز المكانة الاستراتيجية لإسرائيل، وتمظْهُر ذلك في قوة ردعها وانخفاض إمكانية المبادرة إلى حرب ضدّها، أكد التقدير أن إسرائيل لم تنجح في ترجمة قدراتها (العسكرية) إلى إنجازات سياسية، لافتاً إلى غياب أيّ «استراتيجية متكاملة» لمواجهة تعدّد التحديات التي تتّصف بمزايا متنوّعة. وفي المقابل، أشار المعهد إلى أن «المحور الراديكالي الشيعي متكتّل وعدواني، ويستخدم أساليب متنوّعة ضدّ إسرائيل»، وأن «إيران تُظهر جرأة في نشاطها العسكرية، وفي المجال النووي»، مضيفاً أن الاهتمام الدولي بالشرق الأوسط يتراجع، ومعه يتراجع الاستعداد للمساعدة في حلّ مشكلات المنطقة. وإذ اعترف بأن مشروع الصواريخ الدقيقة بقيادة إيران يتقدّم على رغم الجهود الجارية لكبحه، تَوقّع إمكانية حدوث تصعيد متعدّد الساحات في أعقاب نشاط عملاني إسرائيلي ضمن إطار «المعركة بين الحروب»، إذ ستبدأ إيران وحزب الله حينها بردود عسكرية على النشاطات الإسرائيلية.

ستتلقّى الجبهة الداخلية نيراناً صاروخية كثيفة جزء منها صواريخ دقيقة


كذلك، تناول التقدير الاستراتيجي نيّات الولايات المتحدة إزاء طهران، لافتاً إلى أنه بعد عملية الاغتيال عمدت واشنطن إلى تعزيز قواتها في المنطقة، لكن «ليس في نيّتها الوصول إلى مواجهة شاملة». ورأى أن من السابق لأوانه تقييم انعكاسات الحدث الآن، لكنه شدّد على ضرورة استعداد إسرائيل للسيناريوات كافة، بدءاً من تصعيد محدود وانتهاءً بصراع واسع النطاق بين إيران والولايات المتحدة. واعتبر أن احتمال التوصل إلى اتفاق نووي بديل تراجَع في أعقاب الاغتيال، الذي رأى أنه يعزّز مشاعر العداء للولايات المتحدة في منطقة متّصفة باللااستقرار وغياب اليقين وارتفاع إمكانات التفجّر، في ظلّ استمرار الهزّة الإقليمية التي بدأت قبل تسع سنوات (في إشارة إلى ما سُمّي بالربيع العربي).
وفي ما يتصل بالمآلات المحتملة لأيّ تصعيد إسرائيلي في وجه تعاظم قدرات محور المقاومة، تحدّث التقدير عن سيناريوين: الأول أن يتطوّر التصعيد إلى «حرب لبنان الثالثة» مع حزب الله، والتي ستكون أكثر تدميراً وقوة بكثير من «حرب لبنان الثانية» عام 2006، والثاني أن تقع «حرب الشمال الأولى» مع الحزب في لبنان، وأيضاً مع قوات في سوريا والعراق وإيران ودول أخرى. لكن بعد اغتيال سليماني، أصبح احتمال أن يتولّد التصعيد من الردّ الإيراني ضدّ أهداف إسرائيلية وارداً. وفي حال حدوث ذلك، ستتلقى الجبهة الداخلية نيراناً صاروخية كثيفة، جزء منها صواريخ دقيقة، إضافة إلى محاولة اختراق قوات برية للأراضي المحتلة.