سعي رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب وأركان إدارته، خلال اليومين الماضيين، إلى تبرير جريمة اغتيال القائد العسكري الإيراني اللواء قاسم سليماني وأحد قادة «الحشد الشعبي» العراقي أبو مهدي المهندس وعدد من رفاقهما، هو محاولة استباقية لتجريم الردّ عليها. يعتقد البعض في إدارة ترامب أن بإمكانهم توصيف الردّ المنتظر بأنه جريمة اعتداء، والترويج لكون الأميركيين ضحية «الإرهاب العالمي»؛ وبالتالي فعلى جميع الدول التضامن معهم لاستكمال مسلسل «الحرب على الإرهاب» بحلّة جديدة لموسم 2020، عبر «نتفليكس» بنسختها الواقعية (ترامب هو أصلاً أول وأبرز من يستخدم الميديا الجديدة سلاحاً مركزياً وأداة أساسية لقيادة أميركا والتلاعب بمصير العالم).

وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، كرّر الادعاء بأن اغتيال سليماني ورفاقه كان «خطوة استباقية» أتت في إطار «الدفاع عن النفس»، مشيراً إلى أن سليماني ورفاقه كانوا يحضّرون «هجوماً حتمياً» يستهدف أميركيين. لكن بومبيو لم يكشف حتى الآن عن أيّ قرينة تدلّ على «الهجوم الحتمي»، ولم يبادر حتى إلى إعادة نشر رسم القنبلة الإيرانية النووية الوشيكة التي كان قد تباهى رئيس كيان العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعرضها على الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 2012. فلو قامت الإدارة الأميركية بنشر صور ومعلومات وتسجيلات تزْعم من خلالها أن سليماني كان يخطّط لمهاجمة أميركيين لكرّرت سلوك إدارة الرئيس السابق جورج بوش قبيل اجتياح العراق عام 2003، حين قدّم الوزير كولن باول «إثباتات» عن امتلاك الرئيس العراقي صدام حسين أسلحة دمار شامل، تَبيّن لاحقاً أنها مزوّرة. فسلوك إدارة ترامب مختلف، ويتميّز بوقاحة استثنائية تعفيه، في نظره ونظر مناصريه، من أيّ اهتمام بتأكيد صدقية ما يدّعيه. فلْنتذكّر أن شعار ترامب المركزي هو «العظمة لأميركا»، ومدّعي العظمة متكبّر ووقح لدرجة أن ادعاءاته لا تحتاج بنظره إلى أيّ إثباتات أو قرائن.
نفى ترامب، من خلال تغريداته الإلكترونية، نيّته إشعال حرب ضدّ إيران، ودعاها إلى التفاوض. يعني ذلك أنه يتوهّم أن اغتيال سليماني ورفاقه سيُخضع الإيرانيين لشروط التفاوض لمصلحة الأميركيين. لكن يبدو أن الرئيس الأميركي لم يتنبّه لعواقب لعب ورقة الدم «على المكشوف»، وهي عواقب لا تقتصر على الإطار العملي والتنفيذي، بل تشمل كذلك الإطار القانوني والنظري العام. لا شك في أن «الدفاع عن النفس» يبرِّر قانونياً استخدام العنف، وهو ما تؤكده شرعة الأمم المتحدة، لكن هل يمكن عدّ هجوم الجيش الأميركي على موكب عسكري رسمي يتجول في العاصمة العراقية «دفاعاً عن النفس»؟
أولاً: ليس هناك في نص الاتفاقيات الأمنية والعسكرية بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأميركية أيّ مواد يمكن أن تبرّر شروع الأميركيين بمهاجمة أهداف محدّدة داخل الأراضي العراقية من دون طلب من الحكومة العراقية ومن دون التشاور معها، أو في الحدّ الأدنى إبلاغها في شأن العملية العسكرية. وبالتالي، فإن الهجوم الذي أسفر عن اغتيال سليماني ورفاقه يُعدّ انتهاكاً لسيادة العراق (عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة)، وتجاوزاً فاضحاً للاتفاقية الدولية.
ثانياً: إن حتمية الخطر هي من أهمّ شروط «الدفاع عن النفس»، بينما لم يُثبت الأميركيون وجود «خطر» مباشر وحتمي على حياة جنودهم، كما ذكرنا آنفاً. ولم يكن الموكب المستهدَف في حالة مواجهة عسكرية، ولا في مكان يمكن أن يشكل فيه خطراً مباشراً على حياة جنود أميركيين. أضف إلى ذلك أن السلطات الرسمية العراقية كانت تعلم بوجود سليماني على أراضيها، ولا شكّ في أنه كان على تواصل مع مسؤولين حكوميين عراقيين أثناء وجوده في العراق. وبالتالي، فإن اغتيال الجيش الأميركي لسليماني ورفاقه يمكن توصيفه بعمل عدائي يستهدف جمهورية العراق. والسلطات العراقية تعمل حالياً على تحضير الشكوى التي ستُقدّمها إلى مجلس الأمن الدولي في هذا الشأن.
ثالثاً: إن الاتفاقية الأمنية التي تحدّد «الأحكام والمتطلّبات الرئيسة التي تنظّم الوجود المؤقت للقوات العسكرية الأميركية في العراق وأنشطتها فيه وانسحابها من العراق» (2008) تشمل الولاية القضائية. ويكون بموجبها للعراق «الحق الأولي بممارسة الولاية القضائية على أفراد قوات الولايات المتحدة». لم يشرف القضاء العراقي على العملية، ولم يكن أصلاً يعلم بها إلا بعد انتهائها، وبالتالي لا مجال لفتح تحقيق جنائي في الهجوم واتخاذ المحاكم العراقية إجراءات قضائية بحق المجرمين.
نخلص إلى أن الهجوم الذي قامت به الولايات المتحدة في محيط مطار بغداد ليس مبرَّراً قانونياً، ولا يقتصر توصيفه على «جريمة»، بل يتعدّى ذلك إلى كونه عدواناً يستهدف سيادة العراق وأمنه وسلامة أراضيه. وبالتالي، فإن للجمهورية العراقية الحق القانوني في شنّ حرب على الولايات المتحدة، لا مجرّد الحق في إلغاء الاتفاقية بين البلدين.