إسرائيل وأنصارها أبرز المحرّضين على الحرب

نتائج الحرب ستحكم اتجاهات تصويت الناخبين

دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الذي عارض بقوة حروب بلاده في الشرق الأوسط عندما كان مرشحاً انتخابياً، واستمرّ يجاهر بالموقف إياه بعد وصوله إلى السلطة، واعداً بـ«إعادة الجنود إلى الديار»، أدخل بلاده في مسار قد يقود إلى حرب مروّعة وشاملة عابرة للحدود، ومسرحها «الشرق الأوسط بأسره وربما العالم»، على حدّ تعبير ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية. تحليلات كثيرة سعت لتبرير ما تعتبره قراراً صائباً، والترويج لفرضية أن محور المقاومة لن يتجرّأ على ردّ قاسٍ على اغتيال الشهداء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما. لكنّ المواقف الواضحة لقادة محور المقاومة لم تدع مجالاً لأيّ شكّ أو التباس: الردّ قادم لا محالة، ومهما عظمت الأكلاف. تحولات موازين القوى في الإقليم لمصلحة محور المقاومة في السنوات الماضية، وما بدا أنه فقدان الولايات المتحدة لهيبتها وقدرتها الرادعة خاصة بعد إسقاط المسيّرة الأميركية من قِبَل الحرس الثوري الايراني وقيام حركة «أنصار الله» اليمنية بقصف منشأتَي «أرامكو» النفطيتين، قد تكون من بين العوامل التي حَدَت بالرئيس الأميركي إلى اتخاذ قراره الأخرق. إلا أن المؤرّخ والمفكّر الفلسطيني، رشيد الخالدي، الحائز «كرسي إدوار سعيد للدراسات العربية المعاصرة» في جامعة كولومبيا، ومدير «مجلة الدراسات الفلسطينية» في الولايات المتحدة، أوضح في مقابلة مع «الأخبار» دور العوامل الداخلية، المرتبطة باستيلاء ائتلاف من الإنجيليين المتطرفين والصهاينة وبقايا المحافظين الجدد على مراكز صنع القرار، في حمل رئيسٍ بات رهينة لفريقه على اعتماد بعض السياسات والقرارات. وللخالدي مجموعة من الكتب المرجعية عن القضية الفلسطينية والسياسة الأميركية، وآخرها «حرب المئة عام على فلسطين: الاستعمار الاستيطاني والمقاومة».

من الواضح أن عملية اغتيال الشهداء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما ستستدعي ردّاً كبيراً من قِبَل مختلف أطراف محور المقاومة. وعلى الأغلب، فإن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وفريقه، عندما اتخذوا قرار الاغتيال، كانوا يعون أن ردّاً كهذا مرجّح. يؤكد رشيد الخالدي أن «هذا القرار كان موجوداً في ذهن الفريق المقرّب للرئيس، وخاصة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو منذ أشهر. بومبيو صديق حميم ليوسي كوهين رئيس الموساد، والرجلان يتواصلان باستمرار. المعلومات الواردة في الصحف الأميركية تفيد بأن هذا القرار يتمّ تداوله في هذه الأوساط منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. بالنتيجة، تمّت عملية الاغتيال على الرغم مما يترتّب عليها من تداعيات. هناك رأيان في مركز صنع القرار الأميركي حول هذا الموضوع: الأول يفترض أن الولايات المتحدة على درجة من القوة ومن قدرة الردع تفرض على خصومها القيام بردود متواضعة؛ والثاني، وهو أكثر خطراً من الأول، يتوقّع أن تقع حرب كبرى ناجمة عن الاغتيال وتداعياته، وهو يتمناها. أصحاب هذا الرأي طبعاً، كمايك بنس نائب الرئيس، وبومبيو نفسه، هم الأقرب لإسرائيل وللتيار الإنجيلي المتطرف. ترامب يجد نفسه في وضع مماثل لجورج بوش الابن: دمية في يد فريقه. نذكر جميعاً بأن فريق بوش الابن، وبخاصة نائب الرئيس ووزير الدفاع، هو الذي قاد بالفعل غزو العراق عام 2003 بالتعاون مع المحافظين الجدد والصهاينة. أنصار الرأيين راهناً لا يفهمون بدقة حقيقة موازين القوى في المنطقة، ويعيشون في واقع متخيّل. للأسف الشديد، ليس في محيط ترامب مستشارون قادرون على طرح رؤية مطابقة للواقع عمّا سيجري بسبب عملية الاغتيال».
على ضوء هذه التطورات، ما هو مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق؟ «آجلاً أم عاجلاً، سينسحب الجيش الأميركي من العراق. وأُرجّح أن يتمّ ذلك عاجلاً كنتيجة مباشرة لقرار ترامب. قبل عملية الاغتيال، كانت قوى عراقية عديدة تحرص على الاحتفاظ بعلاقات حميمة مع الولايات المتحدة وإيران في الآن نفسه. لم يعد هذا ممكناً اليوم. لقد انتهكت واشنطن أهمّ بنود الاتفاقية العراقية - الأميركية، وداست على السيادة العراقية بشكل فظّ، وتنجم عن ذلك الآن مطالبة العراقيين بخروج القوات الأميركية من بلادهم. هناك نقطة أخرى ينبغي الالتفات إليها، وهي ما أشار اليه رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، في خطابه أمام البرلمان، عن طبيعة المهمّة التي جاء من أجلها الفريق الشهيد قاسم سليماني إلى العراق. لقد حمل الشهيد رسالة جوابية من القيادة الإيرانية في إطار الوساطة التي يقوم بها العراق بينها وبين القيادة السعودية، ويبدو أنها كانت ستتكلّل بالنجاح. هناك ثلاث وساطات بين الطرفين: عُمانية وباكستانية وعراقية. احتمال نجاح الوساطة هو أحد أسباب عملية الاغتيال، لأنه يشكّل ضربة قاسية لجهود التحالف الأميركي - الإسرائيلي في اتجاه اعتماد السعودية شريكا ثانوياً في الجبهة المعادية لإيران وحلفائها».

أقصى الرئيس العديد من الجنرالات الذين كانوا يعارضون اتجاهاته المتطرّفة من الجيش والبنتاغون


إذا كان فريق ترامب، لأسباب أيديولوجية أو عقائدية، ولانفصاله عن الواقع، قد دفع الأخير إلى اتخاذ قرار الاغتيال، من المستبعد أن مؤسسة كالجيش لم تكن مدركة لتداعياته الأكيدة على جنودها المنتشرين في دول المنطقة على الأقلّ، وعن إمكانية أن تشكل بداية لسلسلة من الضربات والضربات المضادّة تقود بسرعة إلى حرب كبرى مع قوة إقليمية متوسّطة كإيران، كان الجيش الأميركي يريد تجنب التورط معها للتركيز على التناقض الرئيس مع القوى العظمى المنافسة كروسيا والصين، وهي الأولوية التي حدّدتها وثائق البنتاغون الصادرة في عامي 2017 و2018. يقول الخالدي إن «المعلومات باتت متوفرة عن التفاصيل التي سبقت ورافقت القرار المذكور. الرئيس كان في منتجع مارالاغو في فلوريدا بعيداً عن البنتاغون والاستخبارات ووزارة الخارجية. خلال السنوات الثلاث الماضية، أقصى الرئيس العديد من الجنرالات الذين كانوا يعارضون اتجاهاته المتطرفة من الجيش والبنتاغون، وكذلك من الاستخبارات ووزارة الخارجية. بومبيو فرض أزلامه في الوزارة، وحذا مارك إسبر وزير الدفاع حذوه في وزارة الدفاع. الرجلان كانا في الفوج نفسه في الكلية العسكرية الأميركية، وتخرّجا من ويستبوينت في الفترة نفسها. هما زميلان وصديقان منذ عشرات السنين. الطاقم المحيط بترامب حالياً متجانس ومتكامل وخالٍ كلياً من أيّ مسؤول في موقع مهم يعارض ميول الرئيس المتطرفة. بعد ثلاثة أيام على عملية الاغتيال، بدأ تسريب المعلومات إلى وسائل الاعلام الأميركية عن تردّد في موقف الجيش حيال هذا القرار. الواضح حتى الآن أن الرئيس كان بصحبة الفريق الضيّق المؤيد للحرب، وأن هذا الأخير، مستغلّاً قلّة خبرة ترامب بشؤون المنطقة وشجونها ورعونته الفائقة وهشاشته النفسية وسهولة تضليله، تَمكّن من حمله على القيام بما يشاء. لقد استطاع الفريق عملياً اختصار المسار الطويل لعملية صناعة القرار وما يتخلّله من نقاشات، وأحياناً حتى تجاذبات، تشارك فيها عادة مؤسسات كالبنتاغون والاستخبارات ووزارة الخارجية، وأُقرّت عملية الاغتيال بسهولة وسرعة مذهلتين. هذه العملية ستؤدي حتماً إلى حرب، حتى ولو كنا لا نعرف حتى الساعة ما إذا كانت منخفضة أو عالية التوتر. أعتقد أننا سنرى لاحقاً، مع تطور الأحداث، المزيد من ردود الفعل من مختلف قطاعات الجيش، خاصة من البحرية التي ستتحمّل العبء الأكبر وتتكبّد الخسائر الأهم في حال وقوع حرب. عملية اتخاذ قرار بهذه الخطورة، وما سيليها من إدخال للجيش الأميركي في صراع مع إحدى أكبر دول الشرق الوسط، يستحقان دراسة وتفكيراً. نحن أمام نوع من الانقلاب في داخل المؤسسات الحاكمة الأميركية».
إسرائيل وأنصارها هم المحرّض الأبرز على الحرب، على رغم معرفتهم بتداعياتها المهولة على الكيان العبري عندما ستحتدم وتتسع لتشمل الإقليم برمّته. يعتقد الخالدي أن «علينا العودة قليلاً إلى الماضي، وتذكّر ما جرى سنة 2012، عندما كان إيهود باراك وزيراً للدفاع في حكومة نتنياهو. كان هذا الثنائي على وشك افتعال حرب مع إيران، ومَنَعَتْه من ذلك أطراف رئيسة في المؤسستين العسكرية والأمنية الإسرائيليتين، وكذلك الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. الذي يتخذ القرارات في إسرائيل حالياً هو بنيامين نتنياهو، الذي يقف على مشارف نهاية دراماتيكية لحياته السياسية، وهو مستعدّ للمخاطرة بأمن اسرائيل من أجل محاولة ضمان سلامته السياسية. الكلام نفسه ينطبق على ترامب. مغامران يصطدمان بمؤسسات الدولة العميقة في إسرائيل والولايات المتحدة، ويندفعان باتجاه الحرب في هذا السياق. ربما تأتي تطورات تمنع تحقّق مثل هذا السيناريو، لكنّني لا أرى حتى اللحظة مثل هذه التطورات».
المواقف الأوروبية، خاصة الموقف الفرنسي كما عبّر عنه وزير الخارجية جان إيف لودريان الذي هاجم «الدور المزعزع للاستقرار» - بحسب تعبيره - للشهيد سليماني، تواطأت مع الموقف الأميركي، مع أن اندلاع حرب في الخليج وما قد ينجم عنها من انقطاع لتدفق النفط يتناقضان جذرياً مع المصالح الأوروبية. «لقد مارست الولايات المتحدة ضغطاً هائلاً على الأوروبيين لتغيير موقفهم. أعرب بومبيو في الأيام الأولى بعد العملية عن استيائه الشديد من موقفهم، ويبدو أن هذا الأمر كان كافياً لحملهم على تعديل هذا الموقف». بعد حروب أفغانستان والعراق، أصبحت غالبية نسبية من الرأي العام الأميركي رافضة للتورط في حروب في منطقتنا. هل يستطيع ترامب تجاهل مثل هذا المُعطى على رغم آثاره السلبية المحتملة على اتجاهات تصويت حتى قسم من ناخبيه؟ «تفصلنا 11 شهراً عن الانتخابات الرئاسية. نتائج عملية الاغتيال وما سيترتب عليها هي التي ستحدّد اتجاهات الرأي العام الأميركي. إذا وقعت حرب وتكبّدت الولايات المتحدة خسائر فادحة، قد يفضي هذا إلى هزيمة ترامب في الانتخابات. ولكن، إذا لم تحصل حرب أو إذا كانت الخسائر الأميركية محدودة، فقد يفوز هذا الأخير الذي لا يزال يتمتع بتأييد 40% من الشعب الأميركي. غالبية هؤلاء ضدّ التدخل العسكري في الشرق الوسط. منذ عام 2004، مباشرة بعد إعادة انتخاب بوش الابن، اتضح هذا الأمر. ما بين 55 إلى 60% يعارضون التورّط في مثل هذه الحروب. هناك تخوف هائل من الحرب بين الأميريكيين، بِمَن فيهم قسم من الناخبين الجمهوريين، ولكن نتائجها هي التي ستحدّد اتجاهات التصويت النهائية لدى هؤلاء»، يختم الخالدي.

المؤرّخ والمفكّر الفلسطيني