حالةٌ من الفوضى تعتري العاصمة الأميركية على خلفية قرار إدارة دونالد ترامب اغتيال الجنرال قاسم سليماني. قرارٌ يبدو أنه جاء مدفوعاً بضغوطٍ مارسها وزير الخارجية مايك بومبيو، جنباً إلى جنب نائب الرئيس مايك بنس (الجناج الإنجيلي الأكثر تشدّداً داخل الإدارة)، وأُتبع بتصويت البرلمان العراقي على تفويض الحكومة إنهاء وجود القوات الأجنبية في بلاد الرافدين. وما زاد من فوضى الوضع القائم، إذا ما استُثني عدم التنسيق مع «الحلفاء»، خطابٌ أميركي أُرسل «عن طريق الخطأ» إلى القوات العراقية، يفيد بأن واشنطن ستنفّذ عملية «إعادة تموضع»، تمهيداً لسحب قواتها من العراق. وفي ظلّ التململ الأميركي الواضح، هدّد ترامب باستخدام سلاح العقوبات ضدّ العراق وقادته، في حال طلب بغداد انسحاب الأميركيين على أساس غير ودّي. في هذا السياق، شرع مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية في إعداد صيغة أوّلية للعقوبات، ردّاً على قرار البرلمان العراقي، وفق ما أفادت به صحيفة «واشنطن بوست».
يخطّط «البنتاغون» لنشر قاذفات «بي 52» طويلة المدى في المحيط الهندي


قرار البرلمان، الذي أخرج الأميركيين عن طورهم، دفع بتصريحات رسمية متناقضة تعكس الاختلافات الكبيرة التي تشهدها الإدارة الأميركية. وبعد أنباء تحدّثت عن انسحاب أميركا، مدعومةً بصورة لرسالة يبدو أن قائد القوات الأميركية في العراق، الجنرال وليام اتش سيلي، وجّهها إلى قيادة العمليات المشتركة العراقية، وذكر فيها أن قواته في صدد تنفيذ عمليات «إعاد تموضع» بهدف «الانسحاب من العراق بصورة آمنة وفعّالة»، «احتراماً لقراركم السيادي الذي يأمر برحيلنا»، نفى وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر ذلك. وقال إن بغداد لم تطلب من واشنطن سحب قواتها، وإن اللعبة وقواعدها في المنطقة قد تغيّرت. ينطلق إسبر من «تشكيكه» في شرعية التصويت الذي حصل في البرلمان العراقي، بسبب غياب مكوّنين رئيسين، هما: الأكراد والسواد الأعظم من النواب السُنّة، بينما «الكثير من النوّاب الشيعة شاركوا تحت التهديد»، معرباً عن اعتقاده بأن «العراقيين لا يريدوننا أن نغادر». وفي خضمّ تصريحات كبار المسؤولين العسكريين في شأن نفي وجود أيّ خطط لانسحاب القوات الأميركية من بلاد الرافدين، ذكر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، أن الرسالة «كانت خطأ، حدث ذلك عن غير قصد، مسوّدة رسالة غير موقّعة، لأننا نحرّك قواتنا في المكان». ثم خرج ترامب ليؤكّد يوم أمس أن انسحاب الجيش الأميركي «أسوأ ما يمكن أن يحدث للعراق... في توقيت معيّن سنخرج... لكن هذا التوقيت لم يحلّ بعد». وسبق لـ«التحالف الدولي» وقوات «حلف شمالي الأطلسي» أن علّقت تدريباتها وعملياتها العسكرية ضدّ «داعش» بسبب المخاوف الأمنية في أعقاب اغتيال سليماني، الذي أدى إلى توتر العلاقات بين واشنطن وشركائها في «التحالف»، وفق ما أفاد به مسؤول عسكري أميركي وكالة «فرانس برس». ومع بلوغ التوترات بين واشنطن وطهران ذروتها، أفاد مسؤول أميركي، شبكة «سي إن إن»، بأن «البنتاغون» يخطّط للبدء في نشر ست قاذفات من طراز «بي 52» طويلة المدى في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، ستكون متاحة لعمليات ضدّ إيران إذا صدرت أوامر بذلك.

«تحالف الإنجيليين» ينتصر
باغتيال الـ«باد غاي» Bad Guy، كما وصفه بومبيو الذي يبدو أنه عَدَل عن فكرة الترشّح لانتخابات مجلس الشيوخ، يكون وزير الخارجية قد حقّق «انتصاراً بيروقراطياً»، بحسب «واشنطن بوست» التي سرّبت روايةً تُسلّط الضوء على الدور الرئيس الذي قام به هذا الأخير، بدعمٍ من بنس، لدفع ترامب نحو هذا الخيار. إصرار الوزير، واتصالاته المتكررة بالرئيس في الأيام التي سبقت استشهاد سليماني، شكّلت حافزاً بالنسبة إلى ترامب يمكن صرفه انتخابياً. دلّلت على ذلك مسارعة ترامب، يوم الجمعة الماضي، إلى المشاركة في تجمّع لإطلاق ما يسمّى بـ«تحالف الإنجيليين»، في محاولة منه لاستقطاب دعم اليمين الديني قبل انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر. اعترف الرئيس بحاجته إلى الاحتفاظ بولاء قاعدته الانتخابية الأكبر والأكثر وفاءً. وأمام سبعة آلاف من «مريدي الإيمان» تجمّعوا في كنيسة «King Jesus» في ميامي لسماع خطاب الرئيس على مدى أكثر من ساعة، قال ترامب: «لقد كانت الضربة التي لا تشوبها شائبة، هي التي أودت بزعيم الإرهاب»، وأصرّ على أن اغتيال سليماني سوف ينقذ أرواح «مئات ومئات الأميركيين... توقَّفت أعماله الوحشية إلى الأبد. لقد كان يخطط لهجوم كبير للغاية». وأعاد تذكير هؤلاء بأن المسيحيين الإنجيليين «خرجوا وساعدونا في عام 2016، بأعداد لم نرَ مثيلاً لها مِن قبل... أنا أؤمن حقاً بأن الله إلى جانبنا». وبحسب مسؤول أميركي بارز، تحدّث إلى الصحيفة، فإن بومبيو ذكر للمرة الأولى أمام ترامب إمكانية اغتيال سليماني قبل أشهر، غير أن الرئيس و«البنتاغون» لم يكونا مستعدَين حينئذ للمصادقة على مثل هذه العملية. إلا أن تلك الأجواء تغيّرت إثر مقتل متعاقد أميركي في كركوك في 27 كانون الأول/ ديسمبر. وبعد ذلك بيومين، وصل وزير الخارجية برفقة وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان إلى منتجع ترامب في فلوريدا، حيث عرضوا عليه خيارات الردّ المحتملة على الهجوم، ومن بينها تصفية قائد «قوة القدس». وأشارت مصادر الصحيفة إلى أن أحد العوامل الرئيسة التي دفعت الرئيس الأميركي إلى هذا الخيار، الذي أثار بالغ الاستغراب والصدمة لدى بعض المسؤولين، يعود إلى التنسيق بين بومبيو وإسبر اللذين درسا معاً في أكاديمية «وِستْ بوينت» العسكرية الأميركية. ولفتت «واشنطن بوست» إلى أن ترامب اختار بومبيو للدفاع عن قرار الاغتيال أمام وسائل الإعلام والشركاء الأجانب في الأيام الأخيرة.
وفيما تتزايد الانتقادات داخل الكونغرس لقرار الرئيس اغتيال سليماني، أعلنت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، في رسالة إلى زملائها، خطة لطرح قرار والتصويت عليه بهدف «الحدّ من سلوك الرئيس العسكري المتعلق بإيران»، موضحةً أن الخطوة «تعيد تأكيد مسؤوليات الكونغرس الإشرافية الراسخة من خلال الإقرار بأنه إذا لم يتّخذ الكونغرس خطوات إضافية، فإن الأعمال العدائية العسكرية للإدارة الأميركية بخصوص إيران تنتهي خلال 30 يوماً». وقالت إن خطوة ترامب وضعت القوات الأميركية والمدنيين في خطر عبر «المخاطرة بتصعيد خطير في التوترات مع إيران».