لم يعد معروفاً ما الذي تَحتَكم إليه الدول الأوروبية بالضبط لدى إطلاقها تصريحاتها وبياناتها في شأن السلوك الأميركي تجاه إيران، بدءاً من انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب «بشكل أحادي» من الاتفاق النووي، وصولاً إلى اتخاذه قرار اغتيال الجنرال قاسم سليماني «بشكل أحادي» أيضاً. الأسئلة التي تُطرح حول خلفية تصرّفات الأوروبيين إزاء هذه التطوّرات كثيرة، ولا سيما أن غالبية المواقف الصادرة عنهم، على تفاوتها، تُظهر غلبة الرؤية الأميركية على رؤيتهم الخاصة للمنطقة. أوروبا، التي لطالما أبدت ميلاً للتقرّب من إيران، محاوِلةً القيام بدورٍ في الحفاظ على استقرار المنطقة، ترضخ في نهاية المطاف للولايات المتحدة، التي تنظر إلى طهران على أنها تهديد جيوسياسي، وتتمنّى القضاء على قوتها في كلّ فرصة سانحة. الكلمة المفتاح في كلّ هذا هي «العجز» الأوروبي أمام الحليف الأميركي، والذي ينعكس عبر جميع المحطّات المرتبطة بمختلف الملفات الدولية (ولا سيما منها الإيراني ــــ الأميركي)، والتي كان آخرها اغتيال سليماني. ألقى الحدث الأخير الضوء، أكثر فأكثر، على مدى ضعف الأوروبيين، ومدى إذعانهم لرغبات رئيس متقلّب، وصاحب قرارات ارتجالية، فيما صقوره من «المحافظين الجدد» لا يزالون يعيشون سكرة عودتهم إلى السلطة.

منذ الثاني من كانون الثاني/ يناير، تدحرجت المواقف الأوروبية من اغتيال سليماني؛ من الإدانة، إلى محاولة الابتعاد عن الحليف الأميركي، لتصبّ أخيراً في التماهي شبه الكامل مع خطاب الولايات المتحدة. تخبّطٌ قد يبدو مفهوماً فيما لو كان مدفوعاً بالصدمة، ولا سيما أن ترامب لم يكلّف نفسه عناء إخطار حلفائه بقراره. لكن السؤال الذي يقفز هنا: هل كان سيختلف الأمر لو قام ترامب بذلك؟ ربّما لا، بل من الممكن أن يتّهم الرئيس الأميركي حلفاءه بالوقوف في طريق «تخليص العالم من الخطر المُحدق»، معتمداً التنمّر الذي عادة ما يمارسه تجاههم. على أن النقاش لا يتّصل فقط بما يواجهه الأوروبيون جرّاء طريقة اتخاذ ترامب للقرارات، بل أيضاً بالخيارات التي يلجأ إليها هؤلاء بهدف الحفاظ على مكانتهم كـ«كوسيط» أو «مفاوض» بين الأطراف المتقاتلة. خيارات ربّما باتت مبنيّة على حقيقة أنهم أسرى شباك ترامب، ولا يمكنهم أن يحرّروا أنفسهم بأنفسهم، بل إن أيّ أوهام في شأن إمكانية وجود تعاون عقلاني في السياسة الخارجية مع الحكومة الأميركية قد تحطّمت منذ فترة طويلة.
قبل أيام، دعا وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، إلى اجتماع مع نظرائه الأوروبيين، لمناقشة التطوّرات في المنطقة. «أوروبا تؤدي الآن دوراً مهماً»، قال في بيان. وأضاف: «كأوروبيين، لدينا قنوات تواصل موثوقة مع كلّ الأطراف، يجب أن نستخدمها في هذا الوضع». هذا التصريح، الذي قد يبدو إيجابياً، تردّد على لسان مسؤولين أوروبيين آخرين بصيغة مختلفة، إلى أن أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في بيان مشترك، أنهم على استعداد «للتواصل مع مختلف الأطراف بهدف المشاركة في تخفيف التوتر وإعادة الاستقرار إلى المنطقة». إلا أن البيان المشار إليه بالذات ظهر كفيلاً بالقضاء على أيّ دور يمكن أن يقوم به الأوروبيون في مجال تخفيف الاحتقان أو إعادة الاستقرار إلى المنطقة. لا يرتبط الأمر فقط بالعجز والضعف اللذين يسمان كلاً من فرنسا وبريطانيا وألمانيا لدى دعوتها إلى تخفيف التصعيد، بعدما قام شريكها المفترض ــــ الولايات المتحدة ــــ بكلّ ما يمكن أن يؤدي إلى التصعيد، بل أيضاً بأن البيان ألقى بكامل اللوم على طهران، وتفادى ذكر أيّ دور لواشنطن في تأجيج الصراع في العراق والشرق الأوسط بشكل عام. وبينما دانت تلك الدول الهجمات الأخيرة على قوات «التحالف» في العراق، أعربت عن القلق من «الدور السلبي» الذي تقوم به طهران في المنطقة، بما في ذلك عبر قوات «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» بقيادة الجنرال سليماني. البيان لم يقف عند هذا الحدّ، بل طالب إيران بشكل خاص بعدم القيام بأعمال عنف، وبعدم اتخاذ أيّ تدابير للخروج من الاتفاق النووي.

أوروبا، التي لطالما أبدت ميلاً للتقرّب من إيران، ترضخ في نهاية المطاف للولايات المتحدة


ربّما ترى الدول الأوروبية أنه لا تزال هناك إمكانية لنجاح المحاولات الدبلوماسية، وذلك على الرغم من أن إيران أعلنت إنهاء التزاماتها بموجب الاتفاق النووي. تفاؤلٌ تسنده حقيقة أن المفتّشين الدوليين لا يزالون يدخلون إلى البلاد، وأن الحكومة الإيرانية لم تغلق باب المحادثات مع الجانب الأوروبي. لكن التصريحات والبيانات الأخيرة الصادرة عن الأوروبيين لم ترضِ أيّاً من أطراف النزاع، بمن فيهم إيران. فقد استدعت طهران، نهاية الأسبوع الماضي، القائم بأعمال السفارة الألمانية، ردّاً على «التعليقات المدمّرة» التي أُطلقت في شأن «الاستفزاز الإيراني» الذي أدى إلى اغتيال سليماني. أما على الجهة الأميركية، فقد واصل الحليف ممارسة دور «المتنمّر»، عبر اتهام وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الأوروبيين، بأنهم لم يكونوا مساعدين في هذا الوضع. «يجب أن يفهم البريطانيون والفرنسيون والألمان أن ما قمنا به حافظ على حياة الناس في أوروبا أيضاً»، ردّد هذا الأخير حجّة رئيسه، علماً بأن تصريحه كان قد سبقه اتهام آخر بعدم تقديم الأوروبيين الدعم الكافي في الشرق الأوسط.
في خضمّ المصالح المتضاربة والضغوط الداخلية والخارجية المختلفة، يجد الأوروبيون صعوبة في الحفاظ على تعدّدية الخيارات. لكنهم، في الوقت نفسه، يدركون أن الانحياز إلى طرفٍ دون آخر سيصعّب موقفهم أكثر، ويُضعف موقعهم التفاوضي على المدى البعيد. ومن هنا، ربّما يرون أن الأجدى العودة إلى الإمساك بالعصا من المنتصف، عبر المناداة بـ«السلام» من الصفوف الجانبية، ولكن هل ثمة من سيسمع؟