اتّخذت حكومة الهند خطوةً إضافية تنطوي على تمييز واضح ضدّ الأقلية المسلمة، في سياق فرض تعريفها لهوية البلاد «الهندوسية». خطوةٌ أقرّت بموجبها تعديلات على «قانون المواطَنة»، من شأنها أن تمنح حقّ المواطَنة للمهاجرين غير الشرعيين الوافدين من كلّ من باكستان وبنغلادش وأفغانستان، شرط ألّا يكونوا من المسلمين. وتقول حكومة حزب «بهاراتيا جاناتا» الهندوسي المتطرف إن القانون الذي وقّعه الرئيس رام ناث كوفيند يوم الخميس، بعد إقرار تعديلاته في غرفَتي البرلمان الأربعاء، سيوفّر «ملاذاً للفارّين من الاضطهاد الديني». لكن مشروع «قانون تعديل المواطَنة» (CAB)، الذي كان قد قدّمه وزير الداخلية آميت شاه أمام مجلس النواب وسط جدل صاخب، رفضته الأحزاب السياسية المعارضة كونه يمهِّد الطريق أمام منح الجنسية الهندية على أساس الدين. كذلك، يرى المعارضون في إدخال تعديلات على «قانون المواطَنة» القائم منذ 64 عاماً، والذي يحظر منحَ المهاجرين غير الشرعيين حقّ المواطَنة، جزءاً من برنامج حكومة ناريندا مودي لتهميش الأقلية المسلمة البالغ عدد أبنائها نحو 200 مليون نسمة.

وجرى تعديل بند في القانون القائم (ينصّ على ضرورة أن يقيم المهاجر في الهند أو يعمل لمصلحة حكومتها الاتحادية لمدّة لا تقل عن أحد عشر عاماً حتى يتسنّى له حقّ التقديم للحصول على الجنسية)، يُستثنى بموجبه أفراد من ستّ أقليات دينية، هي: الهندوسية والسيخ والبوذية والجينية والزرادشتية، فضلاً عن المسيحية، إذا تمكّن هؤلاء من إثبات أنهم من باكستان أو أفغانستان أو بنغلاديش، وأنهم دخلوا إلى البلاد قبل عام 2015. وتنصّ التعديلات على أنه لن يكون لزاماً على هؤلاء المشار إليهم سوى الإقامة أو العمل في الهند لمدّة ست سنوات حتى يتأهّلوا للحصول على حقّ المواطَنة بالتجنيس. ويعقب القانون الجديد، وفق الحكومة، ممارسة ما يسمَّى تسجيل المواطَنة، بهدف التعرّف على المقيمين الشرعيين والتخلّص من المقيمين في البلاد بشكل غير قانوني. ممارسةٌ تعهّد شاه بطرحها على مستوى البلاد، واعداً بتخليص الهند من «المتسلِّلين».
وفي معرض نزع الصفة العنصرية عن القانون، برّر رئيس الحكومة، ناريندا مودي، استثناء المسلمين مِن الدول الثلاث، بالقول إن هؤلاء «ليسوا في حاجة إلى حماية الهند». وهو ما يُعزى إلى أن «الدول الثلاث المشار إليها إسلاميّة، سواء كما نصّت عليه دساتيرها أو بسبب أفعال مسلحين إسلاميين يستهدفون الأقليات الدينية الأخرى»، بحسب الصحافي راغاوان جاغاناثان في مجلة «سواراجيا» في معرض الدفاع عن مشروع القانون في وقت سابق من العام الجاري. يتساوق ذلك مع عزم الحكومة الإسراع في تطبيق البرنامج القومي للحزب الحاكم، في إطار ما تسميه «محاربة الإرهاب»، والذي من أجله أيضاً، قرّرت في آب/ أغسطس إلغاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير وتفكيكه ليصبح مكوّناً من إقليمين منفصلين إدارياً، هما: «جامو وكشمير» و«لاداخ»، لـ«تحريرهما من الإرهاب والنزعة الانفصالية».

رفضت المعارضة القانون الذي يمهِّد الطريق أمام منح الجنسية على أساس الدين


إقرار القانون الذي ينطوي على «تمييز أساسي في طبيعته»، وفق الأمم المتحدة، أثار احتجاجات واسعة في شمال شرق البلاد المتاخِم لبنغلاديش، حيث يخشى سكّان تلك المناطق أن تتجاوز أعداد المهاجرين التي تتدفّق عبر الحدود أعدادهم هم، وأن يُحدث ذلك تغييراً في الهوية الثقافية لمنطقتهم. ويقول آلاف المحتجين في ولاية آسام (ثلث سكانها مسلمون)، التي تشهد احتجاجات منذ الأسبوع الماضي على خلفية «قانون المواطَنة»، إن القانون سيفتح المنطقة أمام تدفّقات المهاجرين الأجانب مِن غير المسلمين، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير البنية الديموغرافية للمنطقة، وبالتالي خدمة ما يسعى مودي إلى تطبيقه في كشمير. وفيما سعى آميت شاه، أول من أمس، إلى طمأنة الولايات الواقعة في شمال شرق البلاد، قائلاً إن الحكومة ستحمي «ثقافتهم وهويتهم الاجتماعية ولغتهم وحقوقهم السياسية»، فإن اعتماد القانون أثار غضباً أيضاً لدى بعض النواب في البرلمان هذا الأسبوع، حيث قارنه أحدهم بالقانون المناهض لليهود الذي اعتمده النازيون في ثلاثينيات القرن الماضي. واعتبر راوول غاندي من «حزب المؤتمر» المعارض أن القانون يشكِّل «محاولة للقيام بتطهير إتني في شمال شرق» البلاد، حيث نشرت الهند آلاف الجنود اعتباراً من الخميس، بعدما حجبت خدمة الإنترنت وفرضت حظراً للتجوال لكبح الاحتجاجات في ولاية لطالما مثّلت بؤرة لتوترات إتنية.
من جهته، انتقد رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، إقرار القانون، معتبراً أن «سياسة حكومة ناريندرا مودي العنصرية وتهديداته النووية لباكستان تشبه السياسات العنصرية للنازيين خلال الحرب العالمية الثانية». أما في واشنطن التي تستقبل وزيري الخارجية والدفاع الهنديين الأربعاء لبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستراتيجي في مواجهة صعود نفوذ الصين، فقال ناطق باسم وزارة الخارجية إن «الولايات المتحدة تحضّ الهند على حماية حقوق أقلياتها الدينية التزاماً بالدستور الهندي وبالقيم الديموقراطية». وفيما عبّر الموفد الأميركي حول الحريات الدينية، سام براونباك، عن الاحترام للمؤسسات الهندية، لفت إلى أن بلاده تشعر بـ«القلق» إزاء القانون، داعياً الهند إلى «التمسك بالتزاماتها الدستورية». وكان الانتقاد أشدّ نبرة من خارج الإدارة؛ إذ دعت «اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية» إلى النظر في فرض عقوبات على وزير الداخلية الهندي على خلفية «قانون المواطَنة»، واصفةً القانون بـ«الاستدارة الخطيرة في الاتجاه الخاطئ».