فصيلاً أن تكشف إذاعة جيش العدو أن الاعتداء الأخير الذي نفذه الجيش قبل حوالى عشرة أيام في الأراضي السورية كان على خلاف رأي كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية، في إشارة إلى رئيس أركان الجيش وأجهزة الاستخبارات، الأمر الذي يعني أن المستوى السياسي هو الذي أملى هذا المستوى من الردّ، في ظلّ مخاوف من مآل التطورات على الساحتين السورية والإقليمية. لم تُخفِ المراسلة السياسية في إذاعة الجيش، إيليل شاحر، سبب تردّد المؤسسة الأمنية في موقفها، إذ لفتت إلى أنهم «يخشون من تدهور الوضع في سوريا». خشيةٌ تحضر في خلفيّتها المحطّة التي مثّلتها ضربة «أرامكو»، والتي شكّلت تحوّلاً مفصلياً سيظلّ ماثلاً مع كل تحدٍّ تواجهه إسرائيل. من هنا، وتأسيساً أيضاً على معلومات وتقديرات، يرتفع منسوب القلق لدى القادة الإسرائيليين من تغيّر في التوجّه والأداء الإيرانيَّين في التعامل مع استراتيجية «المعركة بين الحروب» التي تعتمدها إسرائيل.

توصية الجيش بردّ مدروس على قصف الجولان بالصواريخ يؤكد حجم المخاوف التي تسكن تل أبيب، وتعكس حرص المؤسسة الأمنية فيها على عدم استدراج ردّ مضادّ يؤدّي إلى التدحرج نحو معركة واسعة. ويؤشر المبرّر الذي سوّغ به الجيش توصيته، لناحية أن «الصواريخ معدودة ولم تتسبّب بأضرار، وكانت ردّاً على عملية سابقة لإسرائيل»، بحسب ما نقلته مراسلة الإذاعة، إلى تقدير بأن الامتناع عن الردّ أو عن سقوف عالية منه لن ينعكس سلباً على قوة الردع الإسرائيلية، وعلى صورتها في وعي القوى المعادية وحساباتها. في المقابل، لا يعني جنوح المستوى السياسي إلى الردّ، وفق التقرير، أنه لم يكن يبالي بالدفع نحو مواجهة واسعة، بل يعود ذلك إلى تقديره أن ما تخشى منه تل أبيب لن يحدث، وأن الامتناع عن الردّ قد يوحي بأن إسرائيل خائفة، وهو ما قد يترك أثراً سلبياً على صورتها. ومن هنا، يلاحظ أن الردّ لم يتجاوز سقوفاً محدّدة على المستويين البشري والعسكري، في الوقت نفسه الذي أوصل فيه رسالة بأن إسرائيل لن تُسلّم بمعادلة الردّ على اعتداءاتها.
تتسبّب تعقيدات المشهد الإقليمي، مصحوبةً بضيق الخيارات والمخاطر الكامنة في كلّ منها، في وجود تباين حول الأولوية المتصلة بالمرحلة الحالية: هل هي لتعزيز الردع مع محاولة ضبط الاعتداء كي لا يتسبّب في ردود فعل متدحرجة، أم لتجنّب المغامرة في ظلّ عدم تعرّض إسرائيل لخسائر بشرية أو عسكرية. تُسلّط حادثة الصواريخ الضوء على طبيعة العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري في الكيان الإسرائيلي؛ فهي تأتي ترجمة للنص القانوني الذي يمنح الصلاحية العليا والنهائية في مثل هذه الحالات للمستوى السياسي، حتى لو تعارض رأيه مع توصية المستوى العسكري. مع ذلك، يبقى للأخير تأثيره المباشر وغير المباشر وأحياناً الحاسم. لذا، فإن هذه المسألة نسبية ومتغيرة بحسب القضية المطروحة وخطورتها وطبيعة القيادات التي تتولّى المناصب العليا، إذ يتّسع هامش المستوى السياسي عندما يكون العمل تكتيكياً ولا ينطوي على احتمال أن تترتّب عليه مخاطر كبيرة. وهو ما يبدو أنه انسحب على هذه المحطة بالتحديد. لكن التجاذب بين المؤسستين السياسية والأمنية لا يلغي إجماعهما على تعاظم المخاطر وضيق الخيارات وكلفتها العالية، وهو ما يفرض بذاته تحدّيات على مؤسسة القرار التي تتداخل لديها الحسابات السياسية الداخلية والاستراتيجية.
وكما هي الحال في أغلب القضايا، تدخل المصالح الشخصية، حتى في ما يتصل بقضايا الأمن القومي، على خط التجاذب السياسي. وعلى هذه الخلفية، أتى كلام مَن هم في محيط وزير الأمن الجديد نفتالي بينت، بحسب تقرير إذاعة الجيش، عن أن الهجوم الأخير في سوريا يُعبّر عن تغيير في السياسة يقوده بينت. وهو ما ردّت عليه مصادر في مكتب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بأن هذا الكلام يعبّر عن دعاية إعلامية. وأشارت المصادر نفسها إلى أن التعليمات المُوجّهة للجيش، حتى قبل أن يُعيّن بينت في منصبه، كانت هي العمل بحزم كبير، وبالتالي لا يوجد ما يمكن الارتقاء إليه، فـ«نتنياهو أيضاً كان حازماً جداً ضدّ التمركز الإيراني في سوريا». هكذا تكشف التسريبات المتبادلة بين نتنياهو وبينت عن تنافس على الصدارة. فمن جهة، يريد بينت أن يؤكد أن تغييراً ما طرأ على السياسة الأمنية الاسرائيلية نتيجة تولّيه منصبه، فيما يحاول نتنياهو أن يسلبه هذا الإنجاز الموهوم، ويؤكد أن السياسة الأمنية الحالية هي امتداد للسياسة الإسرائيلية المحدّدة من قِبَله.