أدى حادث الاصطدام بين مروحيتين عسكريتين فرنسيتين في شمال مالي إلى احتدام النقاش العام حول الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل. كانت أصوات من داخل المؤسسة العسكرية الفرنسية سبق أن شكّكت في القدرة على إعادة الاستقرار إلى المنطقة، لكن الحادث الذي وقع قرب الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو زاد التساؤلات في أوساط قسم معتبر من الطبقة السياسية حول جدوى استمرار القوات الفرنسية هناك. بعد 6 سنوات من العمليات العسكرية التي تُقدَّر كلفتها بـ3.5 مليارات يورو، لم يُقدَّم تفسير مقنع للعجز عن استئصال الظاهرة الجهادية في منطقة الساحل. لا شرح واضحاً كذلك للأسباب التي حالت دون الانسحاب التدريجي لـ4500 عسكري فرنسي، على رغم إنشاء مجموعة الدول الخمس. وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، كانت ذكرت، في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، خلال جولتها على دول الساحل، أن قوات خاصة من بلدان أوروبية ستنتشر سنة 2020 في مالي لدعم الجيش الوطني في معركته مع المجموعات الجهادية. رئيس الوزراء الفرنسي، إدوارد فيليب، كرّر، بدوره، تأكيد مركزية الوجود الفرنسي «لمنع زعزعة استقرار الدول الشريكة والصديقة»، مشيراً إلى أهمية ضمان الأمن كشرط لا بدّ منه للتنمية. لكن النتائج الميدانية للتورط العسكري الفرنسي تُضعف بقوة صدقية هذه الحجج.

عملية «سرفال» الفرنسية، التي بدأت عام 2013، سمحت باحتواء تقدّم الجهاديين من شمال مالي نحو جنوبها، لكنها لم تفضِ إلى القضاء عليهم. بقيت المواجهة مع هذه المجموعات محصورة بالبعدين العسكري والأمني من دون أيّ محاولات لمعالجة الأسباب العميقة لتلك الظاهرة: الانفجار الديمغرافي، الفقر المدقع الواسع النطاق، البطالة المتزايدة، ضمور الزراعة، غياب نظام قضائي في مناطق ريفية تعاني من تبعات تداعي الدول. وتُشكّل المساعدات المالية المُخصَّصة لمنطقة الساحل 1% من مجمل المساعدات الفرنسية الرسمية للتنمية، ويُخصَّص 4% منها للتنمية الزراعية على الرغم من أن الريف المنسيّ قد تحوّل إلى أرض خصبة للتيارات المتطرفة. وبنظر العديد من المراقبين، فإن المقاربة الأمنية والعسكرية الصرفة لا تكفي لهزيمة التيارات السلفية الجهادية المعولمة، التي تمتلك إمكانات مالية ضخمة بفضل صلاتها بالجريمة المنظمة.

سياق الأزمة الاجتماعية في فرنسا يوهن من قوة الخطاب الأمني الذي يبرّر عادة التدخلات العسكرية


على المستوى العسكري، يبدو أن الجيش الفرنسي يواجه أفقاً مسدوداً. يظهر اليوم تشكيل قوة مشتركة من مالي والنيجر وموريتانيا وتشاد وبوركينا فاسو، مدعومة ومدرّبة ومجهّزة من قِبَل القوات الفرنسية في تموز/ يوليو 2017، على أنه قصة إخفاق كبير. وجود تلك القوة المكلّفة بمراقبة المناطق الحدودية كشف حجم المشكلة المرتبطة بهذه المهمة، خاصة في الـ1400 كلم الفاصلة بين مالي والجزائر، التي ليست عضواً في مجموعة الدول الـ5. هي لا تملك، إضافة إلى ذلك، إمكانات كبيرة للتعامل مع أزمة متعددة ومتشابكة الأسباب (إرهاب وصراعات بين وداخل جماعات عضوية وانتشار الجريمة المنظمة). وتزيد الأخطاء في التنسيق الاستراتيجي من الشكوك حول قدرة القوات المحلية على الحلول مكان القوات الفرنسية التي يُنظر إليها اليوم كقوات احتلال، وتواجه عداءً متصاعداً بين السكان. لم يثنِ هذا الواقع الجنرال كليمان بولي عن المطالبة، في مقال نشره في «لوموند» في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، بإعادة النظر في أشكال الوجود الفرنسي وإعطاء الدور الأول للأطراف المحليين. ويأتي توحيد المجموعات الجهادية في منطقة الساحل منذ سنة 2017 في إطار «جبهة الدفاع عن الإسلام والمسلمين» بقيادة إياد أغ غالي، وهو من الطوارق، لتثبت التجذّر المحلي للظاهرة الجهادية، ولتفُاقم التباينات بين الفرنسيين وشركائهم الماليين. وبينما يحث بعض المسؤولين السياسيين والدينيين في مالي على الحوار مع هذه الجبهة التي تتسع قاعدتها تدريجياً بين السكان، ترفض فرنسا تماماً هذا الخيار. من جهة أخرى، فإن سياق الأزمة الاجتماعية الحالي في فرنسا يوهن من قوة الخطاب الأمني الذي يبرّر عادة التدخلات العسكرية الخارجية أمام الرأي العام.
إصرار باريس على الوجود العسكري المديد في مالي قد يكون نابعاً، بحسب رأي الخبير في معهد الدراسات الاستراتيجية التابع للكلية العسكرية مهدي تاج، من مصالح جيواقتصادية وازنة. وقد لفت تاج منذ 2010 إلى «أهمية الموقع الجغرافي لمنطقة الساحل، والتي تسهّل سيطرة القوى التي تتموضع اقتصادياً وعسكرياً فيها على ثروات بلدان المغرب وغرب أفريقيا». ويتقاطع عالم الاجتماع الفرنسي، ماتيو ريغوست، مع هذا التحليل، في مقال نشره على موقع «شرق 21» بعنوان «ماذا يفعل الجيش الفرنسي في منطقة الساحل؟». يرى ريغوست أن التحكّم في موارد دول أفريقيا جنوب الصحراء، وفي مقدّمتها اليورانيوم في النيجر، والسيطرة على أسواق جديدة، هي بين أبرز دوافع التدخل العسكري الفرنسي. ويعتبر أن هذا التدخل مفيد للصناعيين الفرنسيين وللمجمع الصناعي ــ العسكري، وكان مناسبة لاختبار مقاتلات شركة «داسو» وصواريخ شركة «إم بي دي ا» والدعاية التسويقية لها.