«دعوا الصين تنام لأنها عندما ستستيقظ سيرتجف العالم بأسره». هذا القول منسوب إلى نابليون بونابرت من قِبَل عدد من المؤرّخين، واستخدمه الآن بيرفيت، الكاتب والسياسي الفرنسي، عنواناً لكتابه الصادر عام 1973، والذي اعتبر فيه أنه على الرغم من المشكلات العديدة التي واجهها آنذاك هذا البلد - القارة، فإنه سيتحول إلى قطب دولي أساسي إذا نجح في دخول العصر التكنولوجي. عقود من «الصعود السلمي» حدت بالبعض إلى الجزم بأن علاقات الصين مع العالم تقتصر على الأبعاد الاقتصادية والتجارية، وبأن أولوياتها الداخلية مرتبطة بالتنمية وبالتطور العلمي والتكنولوجي، وأنها تحرص على إبقاء أفضل الصلات مع الولايات المتحدة وتجنب استفزازها بأي شكل من الأشكال. لم يكن ذلك التوصيف بعيداً عن الواقع، إلى أن أعلن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، «الاستدارة نحو آسيا» عنواناً لاستراتيجية احتواء الصين التي تبنّتها إدارته، وتابعتها بتشدّد وتوتّر أكبر إدارة دونالد ترامب. الرئيس شي جينبينغ أكد في خطابه في احتفالات الذكرى السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية أنه «ما من قوة يمكنها أن تهزّ دعائم أمتنا العظيمة. ما من قوة يمكنها أن تمنع الشعب الصيني والأمة الصينية من المضي قدماً». هذا الخطاب، وما تلاه من عرض لأحدث ابتكارات التكنولوجيا العسكرية الصينية، خاصة في مجالَي الصواريخ العابرة للقارات والطائرات المسيّرة الأسرع من الصوت، يشكّلان أقوى رسالة مُوجّهة إلى الولايات المتحدة من رئيس صيني منذ أيام الرئيس ماو. من يسعى «لهزّ دعائم الأمة الصينية» أيقظها، وستهتزّ دعائم هيمنته على العالم نتيجة لذلك.
ما يتصدّر أولويات الصين حالياً هو التصدّي الفعّال للانتشار الأميركي في جوارها


في دراسة صادرة عن «معهد الأبحاث الاستراتيجية» الفرنسي، يرى الخبيران أنطوان بونداز وستيفان دولوري أن الاتحاد السوفياتي، حتى في أوج قوته، لم ينظم عرضاً عسكرياً يتضمن هذا العدد من المنظومات الباليستية الاستراتيجية. ويلحظ بونداز ودولوري أن جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها أقامت 14 عرضاً عسكرياً، بينها 5 منذ وصول شي جينبينغ إلى السلطة. لا يمكن فصل تزايد هذه العروض العسكرية عن تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة. إظهار مستوى التطور التكنولوجي والعسكري الذي بلغته الصين لقطاعات شعبها المختلفة، وما يعنيه بالنسبة لقوة البلاد وقدرتها على الحفاظ على وحدتها وسيادتها ومصالحها، هو بلا ريب أحد أهداف العرض لتعزيز الشعور الوطني والوحدة خلف القيادة السياسية، في ظرف تسعى فيه القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة إلى تشجيع نزعات تقسيمية في الصين. ثورة هونغ كونغ الملوّنة، والتي بات المشاركون فيها يرفعون الأعلام الأميركية ويطالبون بالانفصال، إحدى الشواهد على الرعاية الأميركية للنزعة التقسيمية. الحملة الغربية حول اضطهاد السلطات الصينية لأقلية الإيغور المسلمة، وتعيين ترامب لأميركية من أصل إيغوري كمسؤولة عن ملف الصين في مجلس الأمن القومي شاهد آخر.
التأكيد على التلاحم الداخلي في مواجهة هذه المخططات، وعلى الصلة العضوية والاعتماد المتبادل بين «الحزب الشيوعي الصيني» الذي يضمّ 90 مليون عضو وجيش التحرير الشعبي، جميعها أهداف هامّة بالنسبة للقيادة السياسية. لكن ما يتصدر أولوياتها حالياً هو التصدّي الفعّال للانتشار الأميركي العسكري والصاروخي في الجوار البري والبحري للصين. إبراز قدراتها الصاروخية المتعاظمة جزء لا يتجزّأ من عملية التصدي المذكورة، خاصة تلك العابرة للقارات، والتي يصل مداها إلى ما بين 12000 و14000 كم، أي القادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية، والأسرع من الصوت، والتي تحمل رؤوساً نووية تصل إلى عشرة رؤوس مع صاروخ «دونغ فنغ 41». صحيفة «ذي صن» الشعبية البريطانية أطلقت على الصاروخ المذكور تسمية «صاروخ يوم القيامة»، الذي يستطيع إصابة أهداف في الأراضي الأميركية بعد أقلّ من نصف ساعة على إطلاقه. وعلى الأرجح، فإن ما تبتغيه القيادة الصينية من استعراض القوة الذي قامت به هو إثارة هلع كهذا في أوساط الرأي العام الأميركي والغربي لحمله على التفكير في النتائج المحتملة والمروّعة للسياسات المعادية للصين، وعلى معارضتها.
لقد أعمت «غطرسة القوة» صنّاع القرار الأميركيين، ووسطاً واسعاً من النخب السياسية والعسكرية، الذين اعتقدوا جميعاً أن بإمكان بلادهم اتباع استراتيجيات احتواء ضد روسيا والصين في الآن نفسه، أضاف إليها ترامب بعد وصوله إلى السلطة سياسة الضغوط القصوى على إيران، والتي قد تتطور إلى حرب. أيقظت العدوانية الأميركية العملاق الصيني من أحلامه الوردية بالصعود السلمي، وأعادته إلى حلبة الصراع الدولي مضطراً وللدفاع عن النفس. لن يشبه عالم الغد ما تصوّره مفكّروها وخبراؤها بتاتاً بعد هذه اليقظة.