لا يتعارض تكليف رئيس حزب «الليكود» ورئيس الحكومة الحالي، بنيامين نتنياهو، مهمة تشكيل الحكومة المقبلة، مع حقيقة تراجعه حزبياً، وعلى مستوى تحالفه التقليدي. وهي حقيقة تحسمها الأرقام الرسمية، التي تُظهر تراجع حزب «الليكود» (بعد اندماج «كولانو» فيه) من 39 إلى 32 مقعداً، وتراجع تحالفه التقليدي من 60 إلى 55 مقعداً. لكن الانقسامات داخل معسكر اليمين، والسقوف السياسية المتضاربة، حالت دون نجاح رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، في مساعيه إلى تشكيل حكومة وحدة. ونتيجة لذلك، كان عليه، بحكم النص القانوني، أن يلقي مسؤولية التشكيل على نتنياهو أو منافسه بني غانتس. وبالمقارنة بين تحالفات الطرفين وفرصهما، من الطبيعي أن ترجح كفة زعيم «الليكود».

هنا، ينبغي التذكير بحقيقتين متوازيتين: الأولى، أن معسكر اليمين التقليدي، ومن ضمنه «إسرائيل بيتنا» (8 مقاعد)، حافظ على أغلبية في «الكنيست» (منذ عام 2009) تراوحت بين 61 و67 مقعداً، وفي الانتخابات الأخيرة نال أيضاً 63 مقعداً. وكل التغيرات التي شهدتها تركيبة هذا المعسكر كانت بالإجمال نتيجة تنقل المصوّتين بين أحزابه. أما الحقيقة الثانية، فهي أنه في ضوء هذه الأرقام، يمكن لأي تغيير في حسابات ليبرمان أن يؤدي فوراً إلى تشكيل حكومة يمينية استيطانية تشكل امتداداً لأغلب الحكومات المتواصلة منذ عام 2009. لكن طموحات ليبرمان، إضافة إلى ظروف نتنياهو القضائية، هي التي أدت إلى ما أدت إليه من تجاذبات. ومع أنه لا يوجد أي مؤشر، حتى الآن، على إمكانية تبدل موقف زعيم «إسرائيل بيتنا»، إلا أنه لو حصل فلن يكون مفاجئاً، وسيكون حاسماً في تداعياته على المشهد الحكومي والحزبي.

ينتهج «الليكود» و«أزرق أبيض» خيار تقاذف المسؤوليات حول عدم تشكيل حكومة وحدة


في خضمّ ذلك، قفزت إلى الواجهة مسألة استجواب نتنياهو الحاسم يومَي الأربعاء والخميس المقبلين، ليس فقط لكونها محطة لا بدّ منها قبل حسم قضية توجيه لائحة اتهام بحق رئيس الحكومة، بل لأن ما سيليها سيكون مفصلياً في مفاعيله السياسية في هذا الاتجاه أو ذاك. في حال عدم توجيه لائحة اتهام، وهو أمر مستبعد، سينهي ذلك الكثير من عناوين الخلاف السياسي المتمحورة حول شخص نتنياهو. وفي المقابل، لو تم توجيه اللائحة، وأدت ــــ وإن لاحقاً ــــ إلى تنحيته عن منصبه، سيفتح هذا الطريق أمام تشكيل حكومة وحدة تُغيّر المشهد السياسي الداخلي، وسيمهّد لإزالة أهم عقبة تحول دون بروز قيادة جديدة لحزب «الليكود»، وربما أيضاً تفجّر صراعات داخلية كامنة، كما يمكن أن تترتب عليه تداعيات تطاول مجمل الخريطة الحزبية في الكيان الإسرائيلي. أيضاً، في حال بقاء نتنياهو في منصبه، على رغم توجيه لائحة اتهام بحقه، فستكون للأمر مفاعيل سياسية من زاوية تبديد رهانات خصومه على إزاحته من المشهد السياسي، وفرض التعامل مع بقائه كحقيقة سياسية قائمة، مع أن هذه المحطة ستتحول إلى قضية خلافية إضافية في الساحة الإسرائيلية.
في ما يتعلق بجلسة الاستجواب حول شبهات الفساد ضده، دعا نتنياهو إلى أن تكون ببثّ حي ومباشر، مبرراً ذلك بأنه «حان الوقت كي يسمع الجمهور أيضاً أقوالي»، مؤكداً أن «الاستجواب بشأني سيبدأ الأسبوع المقبل». لكن المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، رفض طلبه. في هذه الأجواء، ينتهج «الليكود» و«أزرق أبيض» خيار تقاذف المسؤوليات حول عدم تشكيل حكومة وحدة. ويحاول كل منهما، عبر هذا التكتيك، ممارسة الضغوط على الآخر، عبر تحميله مسؤولية الذهاب نحو انتخابات مبكرة للمرة الثالثة خلال أقلّ من سنة. وفي السياق نفسه، يتنافس الطرفان في التعبير عن الاستعداد لتشكيل حكومة وحدة، ومحاولة تقديم الآخر على أنه المُعرقل. ومع أن الوضع الداخلي والإقليمي يفرض ذلك النوع من الحكومات في إسرائيل، إلا أن العامل الأساسي الذي حرّك المسار الوحدوي هو نتائج الانتخابات التي أفرزت موازين قوى ساهمت في تعقيد المشهد السياسي.
في كل الأحوال، ليس أمام نتنياهو، في حال إصراره على تولي منصب رئاسة الحكومة، سوى مواصلة مفاوضات تشكيل حكومة وحدة مع «أزرق أبيض»، أو محاولة إعادة اجتذاب «إسرائيل بيتنا» لتشكيل حكومة يمينية ضيقة، أو ضمّ تحالف حزب «العمل ــــ غشر» إلى حكومته كونه يوفر له أغلبية 61 عضواً. في المقابل، ليس أمام غانتس، في حال انتقال كرة التأليف إليه، سوى الرهان على حدوث تمرّد داخل «الليكود»، أو تطور قضائي يؤدي إلى تنحية نتنياهو. يبقى سيناريو ينص عليه القانون ولم يسبق أن لجأت إليه إسرائيل طوال تاريخها، وهو أنه بعد استنفاد المحاولات والمدد القانونية، يحق لرئيس الدولة نقل التفويض إلى «الكنيست» من أجل العثور على مرشح متفق عليه بدعم 61 عضواً خلال 21 يوماً، من أجل تشكيل الحكومة المقبلة، وإلا سيجد الجمهور الإسرائيلي نفسه مدفوعاً من جديد إلى صناديق الاقتراع.