عاد رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من بريطانيا، الخميس الماضي، حاملاً معه تقديرات متشائمة جداً حول لقاء بات قريباً بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني. هذا اللقاء وصفه الإعلام العبري بأنه بات شبه محسوم، الأمر الذي يُعدّ إخفاقاً للسياسة الإسرائيلية تجاه إيران، إذ كانت تل أبيب تأمل كسر الجمهورية الإسلامية واستسلامها جراء العقوبات والحصار، لا مفاوضتها.

صحيفة «هآرتس» ذكرت أن تقدير المؤسسة الأمنية في إسرائيل يفيد بأن اللقاء بين ترامب وروحاني بات «محسوماً وأمراً مفروغاً منه»، موضحة، في تقرير أمس، أن هذا التقدير تبلور بناءً على اجتماع نتنياهو بوزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، في العاصمة البريطانية لندن، الأمر الذي يطرح جملة من الأسئلة على رأس جدول أعمال نتنياهو على رغم انشغاله بالانتخابات العامة، من بينها ماذا يمكن لإسرائيل فعله للحؤول دون اللقاء الذي يَعتقد رئيس وزراء العدو أن عوامله لم تنضج بعد؟ وهل يمكن لذلك التطور أن يحدث قبل الانتخابات الإسرائيلية، الأمر الذي سيكون كارثياً على نتنياهو؟
مصادر في المؤسسة الأمنية، كما نقلت عنها «هآرتس»، تقول إن الجانبين، طهران وواشنطن، وعلى رغم الهجمات والمواقف المتشددة بينهما، يُنضجان تموضعهما تدريجياً باتجاه اللقاء، بل «لا يبعد أن يكون موعد هذا اللقاء على هامش أعمال الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في النصف الثاني من الشهر الجاري». يأتي ذلك في سياق إشارات ترد إلى تل أبيب مفادها أن ما حظي به نتنياهو في السنوات الثلاث الأخيرة من تأثير لدى ترامب وفريق عمله بدأ يتقلّص، أو في حدّ أدنى «يتغير إلى حدّ ما». هذه الإشارات في الإعلام العبري عزّزها نتنياهو نفسه بتأكيده غير المباشر إمكانية اللقاء، على رغم تشديده على الثقة بأن ترامب سيقود خطاً أكثر تشدداً تجاه إيران من سلفه، باراك أوباما، و«سيجلب معه إلى هناك (طاولة المفاوضات) روحاً هجومية وأكثر ذكاءً مما كان عليه» المفاوض الأميركي في السابق.

من الإشارات التي تلقّتها إسرائيل تراجع مكانة بولتون لدى ترامب


المفارقة في موقف نتنياهو أنه كان هاجم الجانب الفرنسي قبل ساعات من لقائه إسبر، ثم جاءت تصريحاته «المتفهّمة» للموقف الأميركي. بالطبع، يتعذر على الرجل انتقاد ترامب أو قيادة حملة ضده في الولايات المتحدة كما فعل مع أوباما، لكن الأمر من جهته يحتمل كل السيناريوات، ومن بينها الأكثر تشاؤماً وكارثية على المصالح الأمنية الإسرائيلية، خاصة أن الجانب الثاني في اللقاء الإيراني ــ الأميركي، أي ترامب، كما تقول مصادر لـ«هآرتس»، «لا يمكن التنبّؤ بأفعاله ومواقفه». مع ذلك، لا يخلو التقدير الإسرائيلي من استباق فعلي للوساطات بين الجانبين (من قِبَل أكثر من جهة)، والتي تبدو غالباً مدفوعة من الإدارة الأميركية نفسها، الأمر الذي يقلق صانع القرار في تل أبيب، لأن الأخير يدرك مسبقاً أنه غير قادر على تغيير توجّهات ترامب بخصوص هذا الملف تحديداً، بعدما رأى أن ما فعله الرئيس الأميركي الحالي لا يمكن لرئيس غيره عمله، وهو الآن بات في الموقع الذي يسمح له بالعمل على مصالحه الخاصة من دون توقع تحفظات إسرائيلية حول قراراته وتوجهاته.
ومن الإشارات التي تلقتها إسرائيل من الإدارة الأميركية أيضاً، تراجع مكانة مستشار الأمن القومي، جون بولتون، لدى ترامب، وهو المعروف بأنه يقود خطاً متشدداً تجاه الجمهورية الإسلامية. ووفق التقديرات، سيتماشى كبار المسؤولين في الإدارة مع توجهات الرئيس في حال قرّر التحادث مع الإيرانيين، بما يشمل أيضاً وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي صاغ الشروط الـ12 المتطرّفة جداً، ودعا طهران إلى قبولها قبل التفاوض، علماً بأنها كانت تعني استسلاماً مطلقاً أمام واشنطن. المصادر الأمنية الإسرائيلية أعربت عن قلقها، في حديثها مع «هآرتس»، من الانعكاس السلبي للموقف الأميركي على أنشطة إسرائيل في الساحات المختلفة ضد إيران وحلفائها في المنطقة، إذ إن استعداد واشنطن ومسعاها للتفاوض مباشرة من شأنهما أن يؤديا إلى توقعات أميركية بأن تكفّ إسرائيل عن احتكاكاتها العسكرية مع حزب الله والحرس الثوري، الأمر الذي يُعدّ انتكاسة أمنية ــ عسكرية في توجهات إسرائيل، في موازاة الانتكاسة السياسية في حال تم اللقاء بين الجانبين. لدى المؤسسة الأمنية أيضاً عناصر قلق من الموقف الأميركي الذي يتوقع من تل أبيب كبح نفسها، وهو ما يؤثر سلباً في هامش مناورة إسرائيل، بل ردعها في مرحلة حساسة جداً تقدّر فيها أن استحقاق «إغلاق حساب» الهجمات الإسرائيلية الشهر الماضي لم ينتهِ بعد، خاصة مع تهديدات الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، باستهداف المسيّرات الإسرائيلية في السماء اللبنانية.