رزمة العقوبات الجديدة التي أعلنتها الإدارة الأميركية في الأيام الأخيرة بحق مؤسسات رسمية وشركات إيرانية بدت للكثيرين أنها نوع من «التكتيك التفاوضي» الذي يعزز موقف الولايات المتحدة في مقابل إيران، في سياق جهود الوساطة التي باشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. استهداف وكالة الفضاء الإيرانية ومعهد أبحاث الفضاء ومراكز بحثية أخرى بذريعة مشاركتها في البرنامج الباليستي الإيراني، وشركات متهمة بالعمل لحساب «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري، لا يتناقض - بحسب أصحاب هذا التحليل - مع انفتاح الإدارة الأميركية على جهود الوساطة الفرنسية، الذي يعبّر عنه استعداد رئيسها دونالد ترامب، للقاء نظيره الإيراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الحالي. الخطوات التصعيدية الأميركية، وكذلك تلك الإيرانية، تُقدَّم على أنها خطوات يعتمدها الطرفان لتحسين شروط التفاوض، قد يعاد النظر فيها لاحقاً إذا كُسِر الجليد عبر لقاء الرئيسين الإيراني والأميركي، وما سيليه من اجتماعات بين مسؤولين ووزراء ستقود إلى تخفيض التصعيد، وتفتح الباب أمام مسار تفاوضي ينتهي باتفاق جديد بين البلدين. دونالد ترامب، وفقاً لهذه الرؤيا، هو صانع القرار في نهاية المطاف، وهو يريد «صفقة رابحة» مع إيران تتضمن اتفاقاً نووياً مُعدَّلاً، تسمح له بالتبجّح أمام الناخبين الأميركيين بأنه أتى بأفضل مما حصّله باراك أوباما، وأكبر قدر ممكن من العقود التجارية والاقتصادية مع طهران تعزز صورته منقذاً للاقتصاد الأميركي. لكن الرئيس الآتي من عالم الأعمال والصفقات لا يحكم وحده، بل هو محاط بمجموعة من الصقور الحاقدين على إيران، مِمَّن يمثلون ائتلافاً من القوى والكتل الوازنة، هو بمثابة النواة الأهم في قاعدته الانتخابية، والذين يسعون بدأب لتسعير المواجهة معها. لا يمكن فهم العقوبات الجديدة، والمواقف التي ترفع من حدة التوتر، والضربات الإسرائيلية في الفترة الماضية خارج إطار هذا الواقع.

التفاؤل بإمكانية التوصل إلى صفقة أميركية - إيرانية ينطلق من قراءة للأزمة الحالية لا تلحظ مركزية البرنامج الباليستي الإيراني بين مسبّباتها. فعلى الرغم من إصرار إدارة ترامب على ضرورة التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع طهران يمدّد فترة الرقابة الدولية على منشآتها النووية، بات هذا الاتفاق مشروطاً أيضاً باتفاق معها بشأن صواريخها الباليستية. وزير الخارجية الإيراني كان واضحاً جداً عندما صرّح من موسكو، بعد اجتماعه مع نظيره الروسي يوم الاثنين الماضي، بأنه «على خلفية إنفاق واشنطن ودول المنطقة عشرات مليارات الدولارات للتسلح سنوياً، تعتبر إيران برنامجها الصاروخي الدفاعي غير قابل للنقاش، لا مع الولايات المتحدة ولا مع دول المنطقة». وقد لقي هذا الموقف الإيراني تأييداً حازماً من روسيا على لسان وزير خارجيتها، الذي أكد أن هذا البرنامج يجري تطويره بنحو مطابق تماماً للقانون الدولي، وهو غير خاضع لأي حظر.

واشنطن مع حلفائها عازمون على إدراج المشروع الصاروخي كنقطة أولى على جدول أعمال أي تفاوض

واشنطن مع حلفائها، وفي مقدمتهم تل أبيب، عازمة على إدراج المشروع الصاروخي كنقطة أولى على جدول أعمال أي تفاوض، بينما ترفض طهران بدعم من موسكو هذا الأمر. وقد جاءت الغارات الإسرائيلية على مواقع مزعومة للصواريخ، أو للطائرات المسيّرة التي تعتبرها إسرائيل جزءاً من المنظومة العسكرية الجديدة لمحور المقاومة في سوريا والعراق ولبنان، كترجمة لسياسة أولوية التصدي لبرنامج صواريخ محور المقاومة.
ستيفن كوك، أحد كبار الباحثين في شؤون الشرق الأوسط وإفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية، رأى في مقال بعنوان «إسرائيل تقوم بجميع المهمات القذرة ضد إيران»، نشر على موقع «فورين بوليسي»، أن «الإسرائيليين وحدهم يطبقون ضغوطاً قصوى على إيران، ويبدو أنها تعطي نتائج. وعندما سيلتقي الرسميون الأميركيون بنظرائهم الإيرانيين في المستقبل، سيحصل ذلك على الأغلب، لأن العسكريين الإسرائيليين جعلوا الأمر ممكناً... نتنياهو يخشى بوضوح أن ينتهز ترامب فرصة التقاط صورة مع القادة الإيرانيين في أحد الفنادق الأوروبية الجميلة، وأن لا يكترث للتفاوض على اتفاق نووي جديد وأكثر شدة من الأول، تطالب به إسرائيل وأنصارها. إنه سيناريو كوريا الشمالية: الكثير من الحب من دون أفعال. لذلك، صعّد الإسرائيليون من وتيرة هجماتهم وجرأتها لضمان تأثيرها الرادع». يجزم كوك بأن الإيرانيين سيلتقون الأميركيين بفضل الضربات الإسرائيلية، وهو تحليل يندرج في إطار الحملة التي يشنها أنصار إسرائيل اليوم لتلميع صورتها كعصا أميركية غليظة لا بد منها عند التعامل مع دول المنطقة وشعوبها. لكنه يكشف أيضاً أن القيادة الإسرائيلية، وحلفاءها العضويين داخل الإدارة الأميركية، يسعون إلى رفع حدة المواجهة مع إيران وحلفائها، في محاولة لفرض تنازلات عليهم في ملف الصواريخ تكون شرطاً لا بد منه في أي اتفاق، أو إفشال الوساطة الفرنسية وغيرها إن لم تفضِ إلى هذه النتيجة.
قد لا تكون ثقة نتنياهو وفريقه بترامب مطلقة، لكنه مدرك أن لدى الأخير حلفاء خلّصاً يحيطون به وينجحون في التأثير عليه لدرجة حمله على اعتماد سياسات لا يقدّر نتائجها الفعلية في الوقت المناسب. هؤلاء الحلفاء يعرقلون اليوم المبادرة الفرنسية، بحسب السفير الفرنسي السابق في إيران فرنسوا نيكولو، الذي أكد في تصريح إلى «لوموند» أن «خطر الفشل حقيقي، لأن هناك مقاومة قوية للمبادرة داخل الإدارة الأميركية، رغم استعداد ترامب للاجتماع بروحاني». «حزب الحرب» الإسرائيلي - الأميركي يشدد ضغوطه ليفرض شروطه، أو يستمر في حربه الهجينة التي قد تتطور في أي لحظة إلى صراع مباشر وغير مسبوق.