فتح التحالف الذي أُعلن عنه، قبل أيام في إيطاليا، بين «حركة خمس نجوم» اليسارية (المعادية للمؤسسات) و«الحزب الديموقراطي» (يسار ــــ وسط)، المجال أمام تساؤلات كثيرة، تنطلق عالبيتها من هاجس مفاده أن عمر الحكومة لن يكون طويلاً. في الواقع، هناك مؤشرات كثيرة إلى ذلك وهي لا ترتبط بالشق النظري، بل تتخطّاه إلى التمحيص في العداوة التاريخية التي طالما جمعت بين الحزبين، والتي تبدو كبيرة إلى درجة أنها ستغطّي على التقارب البسيط بينهما في مسائل قليلة، لتظهر الفوارق الكثيرة في المسائل الأساسية.

وسط كل ذلك، يبقى الثابت الوحيد، إلى الآن، احتفاظ جوزيبي كونتي بمنصبه رئيساً للحكومة المرتقبة، والتي يجري مشاورات بشأن تشكيلها. ولكن احتفاظه بمنصبه ليس بالضرورة نابعاً من موقع قوة، ولا سيما أن كونتي الذي وصفه البعض بأنه كان «ألعوبة» بيد التحالف السابق، سيتحوّل إلى ألعوبة التحالف الجديد، مع اختلاف بين الشخصيات التي ستقوده. في عام 2018، اختير كونتي للتوسط في تحالف صعب بين «حركة خمس نجوم» اليسارية وحزب «الرابطة» اليمين المتطرف، الذي يقوده ماتيو سالفيني. حينها، بدأ «الرابطة» كشريك صغير، لكن مقاربة سالفيني المعادية للهجرة في وزارة الداخلية دفعت بحزبه ليصبح الأكثر شعبية. انسحب هذا الأخير من الحكومة، قبل أسابيع، متسلّحاً باستطلاعات للرأي جاءت لمصلحته، وبفوزه بالانتخابات الأوروبية، الأمر الذي قاده إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، كان من الممكن جداً أن يحل الأول فيها. ولكن ما لم يخطر بباله هو أن السبب وراء انسحابه، سيكون هو نفسه وراء تشكيل تحالف بين «حركة خمس نجوم» و«الحزب الديموقراطي»، بعد سنوات من الخصومة بينهما. وبالتالي، جمع الخوف من الانتخابات المبكرة والعداوة المشتركة لسالفيني بين الحزبين اللدودين، ليبقى السؤال الحتمي: إلى متى سيعيش هذا الائتلاف، في ظل الواقع الاقتصادي الذي تمرّ به إيطاليا، فضلاً عن الانقسام بينهما في شأن قضايا عدّة؟
في الحقيقة، لا أحد يعرف كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع اقتصاد على حافة الركود، ونزاع يجب أن تواصل خوضه مع بروكسل على الميزانية. ولكن النتيجة الواضحة من الآن، هي أن «إيطاليا انتقلت من حكومة ضعيفة غير متناسقة، إلى أخرى ضعيفة غير متناسقة»، على حدّ تعبير مجلة «ذي أتلانتك» الأميركية. بناءً عليه، يتحوّل السؤال إلى آخر أكثر إلحاحاً: هل ستعمل هذه التركيبة المتناقضة على تجريد الحلفاء في الحكومة الائتلافية من الشرعية السياسية، ما سيفتح الباب أمام عودة قوية لسالفيني؟ الدوافع وراء هذه التساؤلات والهواجس كثيرة، من أبرزها أن «حركة خمس نجوم» و«الحزب الديموقراطي» يملكان عدداً قليلاً من القواسم المشتركة، ما يعني أن تحالفهم سيُنازع للبقاء أو حتى لإعطاء ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، الإصلاح الراسخ والاستقرار السياسي الذي يحتاج إليه بشدة.

يبقى الثابت الوحيد إلى الآن احتفاظ جوزيبي كونتي بمنصبه رئيساً للحكومة


التشققات بدأت تظهر، بالفعل. فقد أثار قرار التحالف امتعاضاً عميقاً داخل كلا المعسكرين، وهو ما أوصل وزير الصناعة السابق كارلو كاليندا إلى إعلان استقالته من «الحزب الديموقراطي»، معتبراً أن «الخلط بين ضعف الحزب الديموقراطي والاختلافات العميقة مع حركة خمس نجوم لن تكون مصدر خير لإيطاليا». كذلك الأمر بالنسبة الى السيناتور عن «حركة خمس نجوم» جيالينغي باراغون، الذي وعد بالاستقالة من حزبه بسبب إنشاء هذا التحالف. وقد ألقى تحرّكه هذا الضوء على ضعف آخر يعانيه الائتلاف ككل، يتمثل في انخفاض عدد مقاعده في البرلمان. فمن دون باراغون، ستتقلّص مقاعد الحزبين «الحليفين» في مجلس الشيوخ، وتبتعد عن الأغلبية المطلقة، ما يعني أنهم سيكونون بحاجة إلى دعم أحزاب أخرى، وربما بعض الأعضاء المستقلين، كي يبقى التحالف واقفاً على قدميه. وبينما ستحتاج الحكومة إلى هذا الدعم في تصويت أولي على الثقة، كي تتمكن من تولي منصبها، فقد يتحوّل من ناحية أخرى إلى خلل قاتل عندما يتم طرح مشاريع القوانين المتعلقة بالمسائل المثيرة للانقسام، مثل الهجرة.
إضافة إلى ما تقدم، فإن قادة كلا الحزبين، لويجي دي مايو (خمس نجوم) ونيكولا زينغاريتي (الحزب الديموقراطي)، لا يملكان السيطرة الكاملة على مشرّعيهم، ما يتركهم عرضة للكمائن المحتملة في كل تصويت برلماني. هذا فضلاً عن «الحزب الديموقراطي» المنقسم بشكل عميق، وهو ما يتبدّى في ولاء العديد من نوابه لزعيمه السابق ماتيو رينزي، على الرغم من أن قائده الحالي هو نيكولا زينغاريتي.
ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، فهناك عائق آني يقف أمام الشراكة الجديدة، ويتمثل في تعهّد «حركة خمس نجوم» بمنح أعضائها صلاحية التصويت عبر الإنترنت على أي ائتلاف جديد، الأمر الذي يعتبر أداة طالما اعتمدتها للتنصل من أي مسؤولية عن أي قرار غير شعبي محتمل. وبوجود العديد من ناشطي «الحركة» الذين يعارضون التحالف ـــــ انطلاقاً من العداوة التاريخية مع «الحزب الديموقراطي» ـــــ فإن التصويت بالموافقة غير مضمون، بينما يظهر احتمال كبير لتعرّضه للقرصنة.
كل ذلك لم يحل دون إطلاق جوزيبي كونتي وعداً بـ«حكومة أكثر عدالة» و«دوراً ريادياً لأوروبا». ومن دون أساس واضح، تعهّد بمزيد من الانضباط في الميزانية وبعلاقات أفضل مع الاتحاد الأوروبي. الأكيد أنه سيعمل، الآن، على تأليف حكومته هذه وقد يتمكن من رسم السياسات، ولو بشكل مبدئي، واضعاً الاقتصاد وميزانية الحكومة لعام 2020 كأولوية. لكن كل ذلك سيتوجّب منه الأخذ في الاعتبار مسائل عدّة، أبرزها حاجة إيطاليا إلى مبلغ لا يقل عن 23 مليار يورو، يساعدها على تجنّب وصفة بروكسل التقشفية القاسية، وبالتالي ارتفاع ضريبة القيمة المضافة، ورقابة الاتحاد الأوروبي. «بقيت أمامنا أسابيع قليلة، نحن بحاجة إلى تحضير الميزانية. يجب أن نعمل مباشرة ونضع الميزانية التي تحول دون الضريبة على القيمة المضافة، وتوفّر احتمالات قوية للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية»، قال كونتي. إلا أن هذه النبرة الحماسية التي يتسلّح بها، قد تخفت لمجرد التيقّن من أن غالبية ضئيلة، مع قيادة ضعيفة وانشقاقات مهمة داخل الحزبين، ستحدّ من القدرة على المناورة وتقصّر من حياة الحكومة. وإن كان ذلك يعني شيئاً، فهو أن سالفيني قد لا يغيب كثيراً، فإيطاليا التي أنتجت خلال 18 ولاية تشريعية 60 حكومة، يمكنها أن تؤلف أخرى خلال عام أو أقل. وما قد يمنح سالفيني هذه الفرصة، هو احتمال موافقة التحالف الجديد على سياسة الاتحاد الأوروبي التقشفية، الأمر الذي من المحتمل أن يخلق فوضى اقتصادية أكبر، وبالتالي سيمكّن زعيم «الرابطة» من جمع معارضة قوية، والعودة إلى السلطة، لولاية أطول.



زعيم «خمس نجوم» يضع شروطاً


اشترط زعيم «حركة خمس نجوم» لويجي دي مايو، أمس، ولادة الحكومة الجديدة في إيطاليا مقابل تنفيذ برنامج الحركة، وإلا فهي مستعدة للانسحاب من الاتفاق الذي وقعته مع «الحزب الديموقراطي». وقال دي مايو، في تصريح صحافي، إن «النقاط الواردة في برنامجنا واضحة، وما لم يتم إدراجها في برنامج الحكومة لن نكون قادرين على المشاركة. ومن الأفضل عندها العودة إلى صناديق الاقتراع في أقرب وقت ممكن». وأضاف دي مايو، في ختام لقاء عقده مع رئيس الحكومة المعيّن جيوزيبي كونتي: «إما أن نكون متفقين على تنفيذه (البرنامج) أو لن نكون قادرين على المضي قدماً».
كذلك، رفض دي مايو إدخال تعديلات على «المراسيم الأمنية» التي أصدرها وزير الداخلية ماتيو سالفيني. وقال في هذا الإطار، إن «مشكلة الهجرة جدية وملموسة ولا بد من مواجهتها بكفاءة في إطار احترام الحساسيات التي يعبّر عنها الرأي العام»، وهو يدرك أن القسم الأكبر من مناصري حركته يدعمون سياسة التشدد التي اعتمدها سالفيني إزاء المهاجرين، خلال التحالف بين حزبَيهما الذي دام 14 شهراً.
من جهته، اعتبر المسؤول الكبير في «الحزب الديموقراطي» غرازيانو دلريو، أن «تحذيرات دي مايو لكونتي غير مقبولة»، مذكّراً بأن الاشتراكيين الديموقراطيين «التزموا دعم جهود كوتني» لتشكيل الحكومة.
ومن المفترض أن تقدم، بحلول الثلاثاء أو الأربعاء المقبلين، تشكيلة الحكومة إلى الرئيس الايطالي. وتشير أوساط سياسية إلى وجود نقاط خلاف لم تذلل بعد حول توزيع الحقائب الوزارية، وبينها منصب نائب رئيس الحكومة الذي يريد دي مايو الاحتفاظ به. واعتبرت هذه الأوساط أنه «يحارب من أجل البقاء»، بعدما تراجعت شعبيته.
(أ ف ب)