أعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعض الزخم إلى القمة السنوية لـ«مجموعة السبع»، والمنعقدة في بيارتيس في فرنسا، بعدما بات من الواضح أن هذه المجموعة تفقد أهمّيتها وتأثيرها عاماً بعد آخر، في ظلّ عجز قادة الدول المنضوية إليها (الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا واليابان وكندا وإيطاليا) عن الخروج بموقف موحّد وسط الأوضاع الاقتصادية المأزومة عالمياً، وهو ما تبدّى عبر إعلان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التخلّي عن صياغة بيان ختامي غالباً ما تحصل مفاوضات شاقة حوله، لصالح مبادلات صريحة ومباشرة، وذلك تحسّباً لانقسامات لا مفرّ منها. ثلاثة أحداث - الأول ذو أهمية بيئية وإنسانية والثاني ذو طابع سياسي أما الثالث فيحمل بعداً سياسياً اقتصادياً - طغت على أعمال القمة.

الحدث الأول الذي فرض نفسه هو حرائق غابة الأمازون التي ناقشها القادة السبعة. وربما اتّسمت تلك المناقشات بالحساسية بعدما اتهم ماكرون الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو بـ«الكذب» في شأن تعهداته حول المناخ، و«بعدم التحرك» في مواجهة الحرائق التي تدمّر منذ أيام «رئة الأرض». وأقرّ رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، بأن من «الصعب تصوّر» أن يصادق الاتحاد الأوروبي على اتفاق تبادل حرّ مع السوق المشتركة لأميركا الجنوبية (ميركوسور)، ما دامت البرازيل «ستسمح بتدمير» الأمازون. وفي السياق نفسه، أعلن الرئيس الفرنسي أن دول مجموعة السبع اتفقت على «مساعدة الدول المتضررة» من حرائق الأمازون «في أسرع وقت ممكن». وأشار إلى اتصالات جارية «مع كل دول الأمازون، لنتمكن من وضع الصيغة النهائية لالتزامات واضحة جداً حول السبل التقنية والمالية» للتصدي للكارثة.
أما الحدثان الآخران، فهما الحضور المفاجئ لوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، على متن طائرة خاصة إلى بيارتيس، حيث التقى نظيره جان إيف لودريان، واستحواذ الرئيس الأميركي على المشهد، مصحوباً بحروبه التجارية التي أفقدت غالبية القمم الاقتصادية والصناعية أي معنى لها، وبتصريحاته النارية والمتناقضة في الآن نفسه. الأوروبيون سعوا، من جهتهم، إلى توجيه ضربة استباقية إلى ترامب، عبر تحذيره قبل انعقاد القمة من أن الحروب التجارية ستُدمّر الاقتصاد العالمي، ومن أنهم لن يسمحوا له بفرض رسوم على بضائع فرنسية، بعد قيام باريس بفرض ضرائب على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة. وقد أُوكلت هذه المهمّة إلى ماكرون، الذي نبّه إلى أن «التوتر التجاري سيّئ للجميع». وفي مخالفة للتوقعات، هاجم رئيس الوزراء البريطاني الجديد، بوريس جونسون، أيضاً، ترامب، الذي يطمع في التوصل إلى اتفاق تجاري كبير معه بعد تنفيذ «بريكست». بعد ذلك، جاء كلام رئيس المجلس الأوروبي ليدعم تصريحات الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني، إذ لفت إلى أن «الحروب التجارية سوف تؤدي إلى انكماش (اقتصادي)، في حين أن الاتفاقات التجارية تقوّي الاقتصاد».

ماكرون: اتفقنا على «مساعدة الدول المتضررة» من حرائق الأمازون «في أسرع وقت ممكن»


هكذا، سعى القادة الأوروبيون إلى احتواء الرئيس الأميركي، من أجل تفادي أي قرار اقتصادي متسرّع قد يتخذه، وقد يحمل تأثيراً سلبياً جديداً على الاقتصاد العالمي، خصوصاً أن شبه حرب اقتصادية أميركية يبدو أنها تقترب من النشوب، مع اعتماد ترامب لهجة مختلفة قبل توجهه إلى فرنسا، في سلسلة تغريدات مدوية استهدفت خصوصاً الضرائب الفرنسية على المجموعات الأميركية العملاقة في قطاع التكنولوجيا أو «غافا» (غوغل، أمازون، فايسبوك وآبل). فقد هدّد بأنهم «إذا فعلوا (الفرنسيون) ذلك فسنفرض رسوماً على نبيذهم... رسوم لم يروا مثلها من قبل»، ما استدعى رداً من توسك الذي قال: «إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً، فسيردّ الاتحاد الأوروبي بالمثل». وعلى هذه الخلفية، اجتمع ماكرون بترامب فور وصول الأخير إلى فرنسا حول مائدة غداء ثنائية لم تكن مقررة في فندق «أوتيل دو باليه» في بياريتس، واستمرّت ساعتين بحسب الإليزيه، ما قد يسهم في تسوية بعض الخلافات. وأكد ترامب أمام عدسات الكاميرات أن «الوقت ممتاز. سنقوم بأمور مهمة في نهاية الأسبوع».
ولكن، كلّ جهود قادة «مجموعة السبع» لم تفلح في ثني ترامب عن مواصلة حربه التجارية مع الصين، والتي أجّجها مجدّداً خلال اليومين الماضيين. فبعدما أعلنت بكين فرض رسوم جمركية جديدة على بضائع أميركية بقيمة 75 مليار دولار، بادر هو إلى الإعلان عن زيادة جديدة في الرسوم على منتجات صينية مستوردة إلى الولايات المتحدة، لتصبح القيمة الإجمالية للبضائع الصينية التي ستخضع للرسوم 550 مليار دولار، بحلول نهاية العام الحالي. وردّ متحدث باسم وزارة التجارة الصينية على ذلك بالقول إن الولايات المتحدة «سوف تتحمل عواقب أفعالها». إلا أن عنصراً إضافياً اكتسب أهمية خاصة في إطار هذه الحرب، عبر التصريحات المتناقضة الصادرة عن ترامب في بياتريس، إذ أرسل مؤشرات إلى أنه يمكن أن يخفّف من حدّة موقفه، حيث قال: «فكرت مرتين في كل المواضيع»، ليوضح البيت الأبيض في ما بعد أن الندم الذي عبّر عنه يعني ببساطة أنه نادم على أن الحرب لم تكن أقسى ممّا هي عليه، وليس أنه نادم على شنّ الحرب.
وبين هذا وذاك، سعى الرئيس الأميركي إلى الظهور بمظهر «رجل الصفقات» الفائز دائماً، بإعلانه، خلال لقاء مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي على هامش القمة، التوصل إلى اتفاق تجاري «مبدئي» بين الولايات المتحدة واليابان، مبدياً أمله في توقيع النص رسمياً بالأحرف الأولى عند انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر. لكن آبي لم يلبث أن قلّل من أهمية هذه الخطوة بالإشارة إلى «(أننا) توصلنا إلى توافق» بعد «مفاوضات مكثفة، لكن ما زال علينا القيام ببعض العمل، ولا سيما للتوصل إلى الصيغة النهائية للاتفاق». كذلك، واصل ترامب تفخيم اتفاقات لم يتوصّل إليها بعد، متحدثاً عن احتمال التوصل «سريعاً» إلى اتفاق تجارة «كبير جداً» مع بريطانيا.



مصدر دبلوماسي: «من المبكر جداً» إعادة روسيا إلى المجموعة
أعلنت مصادر دبلوماسية، أمس، أن قادة مجموعة السبع يؤيدون تعزيز التعاون مع روسيا بعد إخراجها من المجموعة عام 2014، لكنهم يعتبرون أن من المبكر جداً إعادة موسكو إلى مجموعة الدول الثماني. وقال مصدر دبلوماسي إن «قادة مجموعة السبع يؤيدون تعزيز التنسيق مع روسيا»، معتبراً أن «من المبكر جداً إعادتها».
وأخرجت روسيا من مجموعة الثماني عام 2014 بعد ضمّها شبه جزيرة القرم الأوكرانية المطلة على البحر الأسود، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. وقال المصدر الدبلوماسي إن قادة الدول السبع اتفقوا على الموقف من روسيا خلال مأدبة العشاء الافتتاحية للقمة مساء السبت. وكان الرئيس الأميركي الذي سيستقبل قمة المجموعة لعام 2020، قد لمّح إلى احتمال إعادة روسيا إليها. وعند سؤاله، أمس، عن احتمال دعوة روسيا إلى المشاركة في قمة العام المقبل، أجاب ترامب: «لا أعرف، لكن الأمر ممكن بالتأكيد».
(أ ف ب)