طهران | عندما حجزت بريطانيا سفينة «غرايس 1» التي كانت تحمل النفط الإيراني في مضيق جبل طارق، واجهت إيران طريقين لا ثالث لهما: الأول، السكوت عن الحادث وتقبّل حجز باقي ناقلات النفط الإيرانية من قِبَل الولايات المتحدة وحلفائها، وبالطبع تصفير صادرات نفط إيران نهائياً. الثاني، المواجهة وحجز سفينة بريطانية على الفور وإعطاء الولايات المتحدة وبريطانيا الذريعة لإيجاد ائتلاف بحري ضد إيران لحماية مضيق هرمز.

الخطوة الثانية كانت أيضاً محفوفة بالمخاطر، لأن القطع البحرية البريطانية والأميركية كانت تجوب المنطقة، وطبعاً كان بالإمكان أن تؤدي هذه الخطوة إلى تصادم عسكري بين الإيرانيين والغربيين وتفجير برميل البارود. لكن الخبرة والحنكة السياسية أدّت دورها مرة أخرى في هذا الحادث. إيران لم تدخل اللعبة بالشكل الذي كان الأميركيون والبريطانيون يريدونها أن تدخل به. بدأت طهران تحريك جهازها الدبلوماسي في البداية لإيجاد جوّ دولي ضد التصرّف البريطاني، وإفهام الدول المختلفة، خاصة الأوروبية، أن الخطوة البريطانية ستؤدي إلى تضرّر الجميع معاً، ثم دخلت إيران المعركة القانونية. وعلى الرغم من أن وزير الخارجية البريطاني السابق، جيرمي هانت، وعد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في اتصال هاتفي بالعمل على الإفراج عن السفينة الإيرانية خلال أسبوع، فإن ما حصل، أن محكمة جبل طارق مدّدت حجز السفينة لمدة 30 يوماً إضافية.
هنا، قام الإيرانيون بخطوتهم التالية، وهي احتجاز عدة سفن بريطانية خلال ليلة واحدة، ومن ثم الإفراج عن الجميع ما عدا واحدة. خطط الإيرانيون للقيام بهذا العمل في الوقت الذي رأوه هم مناسباً، لا في الوقت الذي كانت بريطانيا أو الولايات المتحدة تريدانه. التوقيت المناسب كان زمان الفراغ السياسي في بريطانيا، ودخول الساسة البريطانيين معارك سياسية داخلية. وعلى عكس توقعات الأميركيين والبريطانيين، فإن العديد من الدول التي كانت يوماً مستعمرة من قِبَل البريطانيين فرحت بالخطوة الإيرانية هذه، حتى إن بعض الدول الأوروبية التي دعمت بالعلن بريطانيا، جارت إيران خلف الكواليس، لأنها كانت غاضبة من ارتماء بريطانيا في أحضان الولايات المتحدة وترك الأوروبيين. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة طلبت رسمياً من 64 دولة، بحسب ما قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الانضمام إلى ائتلاف أميركي لحماية الملاحة في مضيق هرمز، لكن أكثر من 60 منها لم تُعِر الطلب الأميركي أي اهتمام.
إلى جانب ذلك، وجدت الحكومة البريطانية الجديدة نفسها وارثة لحمل ثقيل يكلّفها أعباءً اقتصادية كبيرة، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة تدعم بالكلام فقط لا غير. كلفة التأمين على الناقلات البريطانية التي كانت تريد التوجّه إلى منطقة بحر عمان ومضيق هرمز زادت بنسبة أكثر من 10 أضعاف، إضافة إلى أن العديد من شركات الشحن بدأت تمتنع عن شحن البضائع من المنطقة أو إليها. البريطانيون علموا جيداً أن إيجاد ائتلاف عسكري لن يحلّ المشكلة، بل سيزيد من التعقيدات، وأن إيران هي التي تحكم المنطقة، وأن الزمن الذي كانت فيه بريطانيا تحتاج إلى إرسال خمس سفن فقط لاحتلال البلد وسرقة أرزاق شعبه من دون أي مقاومة، أو ضابط ملازم مع خمسة جنود لإزاحة الملك رضا شاه في إيران، قد انتهى.
خطوة الحرس الثوري حجز السفينة البريطانية، وقبلها إسقاط الطائرة الأميركية، أدتا إلى إيجاد هالة من الحماية حول إيران، أساسها أن الأخيرة لديها قوة الردع الكافية لمواجهة أي هجوم أجنبي، ولديها جنود متسلّحون بإرادة المواجهة. عوّدتنا حروب الولايات المتحدة خلال العقود السابقة أن الأميركيين لا يدخلون أي معركة لا تكون مضمونة النتائج، وكل الحروب التي دخلوها كانت في وقت اطمأنوا فيه إلى أن الجانب المقابل منهار ولن يستطيع مواجهتهم. كان الرهان الإيراني صحيحاً. استفادت إيران من الحنكة الدبلوماسية في الوقت المناسب، والأمن والعسكر أيضاً، ما أدّى إلى إفشال خطط الأميركيين والبريطانيين، لكن الأهم من ذلك أنه أقنع العديد من الدول بأنْ ما من جدوى من دخول لعبة الساسة المغامرين. حتى الدول العربية في الخليج الفارسي وصلت إلى نتيجة مفادها أنه ما من جدوى من الاستمرار في اللعبة الأميركية، وبدأت تغيير مواقفها تجاه إيران، وبدأت الوفود تتبادل الزيارات لحلحلة الخلافات البينية. وعندما لاحظ البريطانيون هذا الوضع، اضطروا إلى أن يفرجوا عن السفينة الإيرانية، على الرغم من طلب الولايات المتحدة الاستمرار بحجزها أو مصادرة شحنتها. حاول البريطانيون حفظ ماء وجههم عبر الإعلان أن طهران تعهّدت بأن السفينة هذه غير ذاهبة إلى سوريا، في حين أن السفينة لم تكن ذاهبة إلى سوريا منذ البداية. ومن الأساس، سبب رفض الإيرانيين إعطاء هذا التعهّد كان رفضهم الخضوع لعقوبات فرضتها أوروبا على سوريا، كي لا تصبح بدعة. في الواقع، كانت السفينة ذاهبة لتوزيع النفط المصفى على زبائن إيران في البحر الأبيض المتوسط، وكان الأميركيون والبريطانيون يريدون من إيران الكشف عن أسماء زبائنهم. حتى الرسالة التي كتبتها السفارة الإيرانية لدى لندن، والتي استند إليها البريطانيون، أكّدت أن السفينة غير متهجة إلى أي مكان تحت العقوبات الأوروبية، لكن مع هذا فإن إيران تصرّ على أنها غير ملزمة بالعقوبات الأوروبية، وعلى المحكمة أن تُفرج عن السفينة فوراً.

انتهاء حرب الناقلات لن يكون نهاية الصراع، لكنه سيؤدي إلى انخفاض منسوب التوتر


الآن، بعد الإفراج عن السفينة الإيرانية، من المتوقع أن تُفرج إيران أيضاً عن السفينة البريطانية قريباً، على رغم أن إيران وبريطانيا رسمياً كانتا تصرّان على أنه لن يكون هناك تبادل للسفن، لكن الإفراج عن السفينة البريطانية سيؤكد أن الإنكليز واجهوا سياسة إيرانية أساسها «العين بالعين والسن بالسن». ومع أن بعض الدول، مثل عمان وفرنسا والعراق، دخلت على خط الوساطة لإقناع الإيرانيين بالإفراج عن السفينة البريطانية قبل الإفراج عن السفينة الإيرانية حتى لو بأقل من نصف ساعة، إلا أن الإيرانيين أصرّوا على أن يُفرَج عن سفينتهم قبل السفينة البريطانية كي يعكسوا رسالة مفادها ما جاء على لسان الرئيس حسن روحاني: «السفينة بالسفينة، المضيق بالمضيق، إذا كان الجميع يريدون سلاماً، فإن إيران يجب أن تنعم بالسلام، وإذا ما واجهت إيران مشاكل، فالجميع سيواجهون مشاكل». إصرار إيران على أن تُفرج بريطانيا عن السفينة الإيرانية أولاً كان لتلقينهم وتلقين الباقين درساً، هو ألّا يلعبوا بذيل الأسد مجدداً، لأن الأسد سيذلّهم.
انتهاء حرب الناقلات لن يكون نهاية الصراع بين إيران والغرب، لكنه بالتأكيد سيؤدي إلى انخفاض منسوب التوتر في المنطقة، إضافة إلى أن إيران استطاعت إبعاد شبح الحرب عن نفسها والمنطقة، على الأقل فعلياً. ويمكن القول إن إيران استطاعت سحب جميع الأوراق من يد الولايات المتحدة والدول الغربية خلال العام الأول من خروج الأميركيين من الاتفاق النووي، واليوم تقوم إيران بجمع أوراقها هي.