اتخذ التصعيد الأميركي في وجه الصين منحىً أكثر عدوانية، بإعلان واشنطن عزمها على نشر صواريخ متوسطة المدى في آسيا، في مسعًى إلى احتواء توسع النفوذ الصيني. إعلانٌ من شأنه أن يطلق سباق تسلّح، كونه يُعدّ الخطوة العملية الأولى في سياق انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحدّ من الأسلحة النووية المتوسطة المدى، إلى جانب أنه ينبئ بمزيد من التوتر المتصاعد أصلاً بين البلدين على خلفية الحرب التجارية، التي عزّزها دونالد ترامب، أخيراً.

الخطوة الأميركية التي أعلن عنها وزير الدفاع الجديد، مارك إسبر، تأتي بعدما باتت واشنطن طليقة اليدين جراء انسحابها رسمياً، يوم الجمعة الماضي، من معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى (يراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر)، ما يجعلها قادرة على منافسة الصين التي تتكوّن ترسانتها من أسلحة تحظرها المعاهدة الموقعة منذ أيام الحرب الباردة، والتي لم توقع عليها بكين. وفي حين اشترط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن تكون الصين وروسيا جزءاً من أيّ معاهدة جديدة في شأن الصواريخ النووية، رأت بكين في إعلان انسحاب واشنطن من المعاهدة «إجراءات أحادية لتحقيق تفوق عسكري»، محذرة من «تأثير الانسحاب على الاستقرار والتوازن الاستراتيجي في العالم، وعلى عملية نزع السلاح النووي»، وفق وزارة الخارجية الصينية.
ومن سيدني، أول محطة له في جولة تستغرق أسبوعاً وتشمل أيضاً نيوزيلندا واليابان ومنغوليا وكوريا الجنوبية، أشار إسبر، أول من أمس، إلى أنه اختار آسيا في جولته الأولى كوزير للدفاع «للتأكيد مجدداً على التزامنا تجاه هذه المنطقة وطمأنة حلفائنا وشركائنا»، مؤكداً أيضاً أن بلاده ترغب في الإسراع في نشر أسلحة تقليدية جديدة متوسطة المدى في آسيا، وخصوصاً أنها لم تعد مُلزمة بأيّ معاهدة. ومن دون أن يوضح مكان نشر هذه الصواريخ، قال: «نريد أن نقوم بذلك بأسرع وقت ممكن... أفضّل أن يتم ذلك خلال أشهر... لكن هذه الأمور غالباً ما تأخذ وقتاً أكثر من المتوقع له». وبحسب مسؤولين أميركيين، فإن نشر أي أسلحة من هذا النوع سيستغرق سنوات، لكن من المتوقع أن تجري الولايات المتحدة في الأسابيع القليلة المقبلة اختبارات لإطلاق صواريخ «كروز» من البر.

حرص إسبر على القول إن الولايات المتحدة لا تريد الدخول في سباق تسلح جديد


والمعروف أن تنامي النفوذ الصيني في المنطقة، وخصوصاً في بحر الصين الجنوبي (تمرّ عبره تجارة عالمية تصل قيمتها إلى 3.4 تريليونات دولار سنوياً)، يقلق حلفاء واشنطن التقليديين، مثل أوستراليا ونيوزيلندا، وهو يدفع دولاً أخرى مثل إندونيسيا وفييتنام وحتى الفيليبين إلى السعي للحصول على «حماية» أميركية في وجه بكين. من هنا، رأى وزير الدفاع الأميركي أنه «يجب ألا يشكّل الأمر مفاجأة لهم (الصين) لأننا نتكلم عن الأمر منذ فترة من الزمن»، مضيفاً: «أريد أن أوضح أن 80% من ترسانتهم العسكرية تتألف من أسلحة من النوع المشمول في معاهدة الحد من الأسلحة النووية المتوسطة المدى. وسَعْيُنا للحصول على قدرات مماثلة يجب ألا يشكّل مفاجأة لأحد». إلا أن إسبر حرص على الطمأنة إلى أن الولايات المتحدة لا تريد الدخول في سباق تسلح جديد، وبرأيه، فإن «المعنى التقليدي لسباق التسلح يُفهم في سياق السلاح النووي. ونحن لا نسعى في الوقت الراهن إلى تصنيع أسلحة من نوع الصواريخ المتوسطة المدى التي تحمل رؤوساً نووية. إن الروس هم الذين طوّروا أسلحة تنتهك المعاهدة، وهي على الأرجح مزوّدة برؤوس نووية»، متابعاً إن «ما نقوم به اليوم أننا نتخذ إجراءات تصحيحية لتطوير قدرات نحن بحاجة إليها على المسرح الأوروبي، وهنا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ». وفي الإطار نفسه، اتهم الوزير الأميركي، يوم أمس، الصين بأنها «تعمل على زعزعة الاستقرار في المحيطين الهندي والهادئ»، وبانتهاج «سياسات اقتصادية استغلالية، وسرقة الملكية الفكرية، وتسليح مناطق المشاع العالمية». تصريحات تهدّد بتأجيج التوتر المتزايد بالفعل بين واشنطن وبكين جراء الحرب التجارية المتصاعدة بينهما. وأعرب إسبر عن اعتقاده بأنه «لا يمكن أو ينبغي لدولة واحدة أن تهيمن على منطقة المحيط الهندي والهادئ، ونحن نعمل مع حلفائنا وشركائنا لتلبية الاحتياجات الأمنية الملحة للمنطقة».