ما انفكّ مايك بومبيو يؤثّر في مجتمع الاستخبارات الأميركي، حتى بعد عام على انتقاله من إدارة الوكالة المركزية للاستخبارات «سي آي إيه» إلى وزارة الخارجية، بحسب ما يؤكد مسؤولو الاستخبارات الحاليين والسابقين في الولايات المتحدة. ويقول المسؤولون إن بومبيو، وهو أول مدير يعيّنه ترامب لوكالة الاستخبارات الأميركية، يؤدي دور الوسيط بين الرئيس ومجتمع الاستخبارات الأميركي، في دور مثير للجدل لوزير خارجية؛ إذ إن الأخير عادةً ما يكون من عملاء مجتمع الاستخبارات، وليس سيّداً عليها.

يقع هذا الدور الذي «اغتصبه» بومبيو، بالأصل، على كاهل مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، ومدير الاستخبارات الوطنية، والأخير منصب تم إنشاؤه عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، لتنسيق عمل جميع وكالات الاستخبارات في البلاد. بحسب المسؤولين، فإن مديرة الاستخبارات الأميركية، جينا هاسبل، تقبّلت واقع تدخل بومبيو في وضع جدول أعمال الاستخبارات، فيما أكد ترامب شائعات استبدال دان كوتس التي تحوم حوله منذ أشهر، مُعلِناً يوم الأحد الماضي أن كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية والرئيس الاسمي لمجتمع الاستخبارات الأميركي، سيتنحّى في 15 آب/ أغسطس، وسيحل محلّه جون راتكليف، وهو جمهوري من تكساس، وواحد من أشدّ المدافعين عن ترامب، ومن المرجح أن يكون أقلّ استقلالاً عن البيت الأبيض، مقارنةً بكوتس.
في هذا الوقت، برز بومبيو بصفته قيصر الاستخبارات في الإدارة الأميركية. وعلى رغم إفادة المسؤولين بأن هاسبل وكوتس يحضران عندما يتلقّى ترامب إحاطات الاستخبارات، إلا أن بومبيو اكتسب ثقة الرئيس الأميركي بطريقة مختلفة.
أما هاسبل، التي ارتبط اسمها ببرنامج التعذيب الخاص بالـ«سي آي إيه»، فلم تكن في وضع سياسي مواتٍ منذ أن تسلمت إدارة وكالة الاستخبارات المركزية. وفي عام 2002، حين كانت مسؤولة عن سجن سرّي تابع لوكالة الاستخبارات المركزية في تايلاند، أشرفت على تعرض أحد المعتقلين لأساليب تعذيب مختلفة؛ منها الإيهام بالغرق. ولاحقاً، في عام 2005، صاغت هاسبل أمراً بتدمير أشرطة فيديو لاستجوابات قامت بها وكالة الاستخبارات، حين كانت المديرة الحالية لا تزال رئيسة أركان «خوسيه رودريغيز»، وهو «مركز مكافحة الإرهاب» في وكالة الاستخبارات المركزية.
خلال جلسات الاستماع لهاسبل في الكونغرس قبل تثبيت تعيينها في منصب مديرة وكالة الاستخبارات المركزية في 2018، سألتها السيناتورة كامالا هاريس ما إذا كانت تعتقد بأن برنامج التعذيب الذي طبّقته الوكالة بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر «غير أخلاقي»، فرفضت إعطاء إجابة مباشرة للسيناتورة الديموقراطية عن كاليفورنيا، والمرشحة الحالية للرئاسة. دفعها ذلك إلى إعادة النظر، لفترة وجيزة، في سحب ترشيحها في وجه المقاومة الديموقراطية، قبل أن تحصل على مصادقة مجلس الشيوخ. إلا أن غياب دعم الحزبين الديموقراطي والجمهوري لهاسبل في «الكابيتول هيل» زعزع صورتها لدى ترامب، وبقيت لها فرص ضئيلة لتعيد إثبات استقلاليتها عن الرئيس ووزير خارجيته.
إحدى العلامات الأولى التي تنفي استقلالية هاسبل جاءت في الأشهر التي تلت توليها المنصب في أيار/ مايو 2018. إذ تقول مصادر مطلعة إن بومبيو كان قد أكّد لترامب أن في مقدوره مراقبة وكالة الاستخبارات المركزية أثناء وجوده في وزارة الخارجية. في الوقت نفسه، نظر البيت الأبيض في فرض اختيار نائب مديرة وكالة الاستخبارات المركزية، إذ يمكن هذه الخطوة، لو تحققت، أن تقضي تماماً على قدرة هاسبل على إبقاء الوكالة خارج سيطرة البيت الأبيض. إلا أن هاسبل تمكنت، أخيراً، من فرض خيارها الذي وقع، بالطبع، على شخص لا يشكل أي تهديد للبيت الأبيض. فقد عاد فوان بيشوب، البالغ من العمر 72 عاماً، وأحد أصدقاء هاسبل القدامى في الوكالة، من التقاعد لتولي هذا المنصب.
منذ ذلك الحين، فإن أكثر ما ميّز هاسبل هو عدم ظهورها في مناسبات رفيعة المستوى، في حين أن بومبيو كان يقود، في بعض الأحيان، العلاقات مع الكونغرس في شأن الأمور المتعلقة بالاستخبارات بدلاً منها. في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي على سبيل المثال، ترأس بومبيو مؤتمراً إدارياً لمجلس الشيوخ في شأن السعودية، ورفض الإجابة عن أسئلة الصحافيين حول سبب غياب هاسبل. في ذلك الوقت، كانت قضية اغتيال جمال خاشقجي لا تزال تمثّل حساسية في العلاقة الأميركية ــــ السعودية. قبل وقت قصير من جلسة الاستماع في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، سرّبت الصحافة الأميركية ما مفاده أن الـ«سي آي إيه» خلصت في تقييمها إلى أن محمد بن سلمان مسؤول بشكل مباشر عن جريمة اغتيال خاشقجي. وعليه، أراد أعضاء مجلس الشيوخ من كلا الطرفين الاستماع إلى إفادة مديرة الوكالة. لكن بومبيو أبلغ الصحافيين أنه «لا توجد تقارير مباشرة» تربط بين محمد بن سلمان وأمر قتل خاشقجي. بدا واضحاً، أن ترامب لا يريد أن تتشارك هاسبل أدلة وكالة الاستخبارات التي تورط ابن سلمان في الجريمة، مع الكونغرس. وفي الآونة الأخيرة، حمل بومبيو أخباراً سيئةً من ترامب إلى هاسبل. ونقل لها أن الرئيس لم يكن راضياً عن بعض المعلومات الاستخبارية المتعلقة بإيران، وفقاً لمسؤولي استخبارات سابقين.
يبقى أكيداً أن بومبيو تعلم كيف يتملق بشكل صحيح شخصاً عنصرياً (...)، وكيف يغض الطرف عن حقيقة أن ترامب قام بتخويف وكالة الاستخبارات المركزية منذ توليه منصبه، وقلّل باستمرار من قيمة تقييم مجتمع الاستخبارات بأن الروس تدخلوا في انتخابات عام 2016 لمساعدته على الفوز. في الحقيقة، فإن أحد أسرار نجاح بومبيو هو أنه أصبح شريكاً فاعلاً لترامب في تسييس الاستخبارات.
(«ذي إنترسبت» ــــ جايمس ريزن)