على رغم الجو المشحون الذي رافق انطلاق الجولة الثانية عشرة من المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والذي سبّبته تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المستفزّة لبكين، تمكّن فريقا التفاوض من الخروج باتفاق على عقد جولة جديدة لاحقاً. لكن الصين، التي عكست تصريحاتها الإيجابية حول المحادثات رغبتها في عدم الانجرار إلى تصعيد ترامب الإعلامي، عمدت في الوقت نفسه إلى تقييد منح بعض التأشيرات إلى تايوان، وذلك بعد تصديق الخارجية الأميركية على بيع الأخيرة أسلحة بقيمة مليارَي دولار مطلع الشهر الماضي، في تحدٍّ علني من البلدين لبكين، آنذاك.

ووصفت الصين، المفاوضات مع الأميركيين، بأنها «بنّاءة»، معلنةً العزم على استئنافها في أيلول/ سبتمبر المقبل. وقالت وكالة «أنباء الصين الجديدة» (شينخوا) إن «الجانبين أجريا محادثات صريحة ومفيدة جداً ومعمّقة حول القضايا الكبرى ذات الاهتمام المشترك في المجالين الاقتصادي والتجاري». وأضافت أن المفاوضين بحثوا «مسألة زيادة الصين مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية وفق حاجاتها»، كما توفير الولايات المتحدة «الظروف المواتية لعمليات الشراء هذه». وذكر المكتب الإعلامي للبيت الأبيض، في بيان أمس، في ختام المحادثات، أنّ «المفاوضين تطرّقوا إلى مسائل شائكة كالنقل القسري للتكنولوجيا وحقوق الملكية الفكرية والحواجز الجمركية». وأشار إلى أنّ «الجانب الصيني أكد تعهده شراء المنتجات الزراعية الأميركية بشكل أكبر»، وهو ما قد يريح واشنطن، إذ إن ترامب كان قد اعتبر أن بكين «مُلزمة» بزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية، بعدما أثار غضبه تقليص الصين وارداتها من تلك المنتجات، واتجاهها نحو سوق المنتجات الزراعية الروسية.

أعلنت بكين أنها ستعلّق منح تأشيرات للسياح الأفراد من الصين إلى تايوان


وتُعدّ المحادثات، التي اختتمت أمس في مدينة شنغهاي الصينية، أول محادثات مباشرة بين البلدين منذ توصّلهما إلى هدنة تجارية. وكانت مدتها قصيرة نسبياً، وخرج بعدها المجتمعون أبكر مما كان يُتوقَّع لالتقاط صورة تذكارية، قبل أن يتوجّه الوفد الأميركي إلى المطار من دون الإدلاء بأي تصريح، خاصة في ما يتعلق بهجوم ترامب على الصين وتوقيته. لكن المحلل في الشركة الاستثمارية «فانغارد ماركيتس»، ستيفن إينيس، رأى أنّ هذا الهجوم الجديد لترامب «قوّض تفاؤل الأسواق بشأن المفاوضات التجارية»، فيما عبّرت صحيفة «الشعب» الصينية عن أسفها، لأن «طبول بعض الأميركيين تسبّب نشازاً في اللحن الرئيس». أما المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشونيينغ، فقد حمّلت بكل وضوح الولايات المتحدة مسؤولية المأزق الحالي، إذ قالت: «عندما يكون أحدهم مريضاً، من غير المجدي أن يُطلب من شخص آخر تناول الدواء».
على خط موازٍ، أعلنت الصين، أمس، أنها ستعلّق، اعتباراً من الأول من آب/ أغسطس، منح تأشيرات مرور للسياح الأفراد في الصين القارية الراغبين في زيارة تايوان، في ما قد يسبب ضربة اقتصادية قاسية للجزيرة. وأتاح برنامج لمواطنين صينيين في 47 مدينة في البر الصيني طلب الحصول على أذون لزيارة تايوان بشكل منفرد، وليس ضمن مجموعات سياحية. لكن وزارة الثقافة والسياحة الصينية قالت، في بيان، إنّ منح الأذون سيُعلَّق اعتباراً من الغد، «بسبب العلاقات الحالية على جانبي المضيق». خطوة ليست الأولى من نوعها، إذ كانت بكين قد اتخذت إجراءات عقابية أخرى تمثّلت بقطع الاتصالات الرسمية مع تايبيه، وتشديد الضغوط الاقتصادية على الجزيرة، وذلك بعد قرار الولايات المتحدة بيع تايوان عتاداً عسكرياً بقيمة مليارَي دولار، بهدف تعزيز قدراتها الدفاعية، الأمر الذي أثار غضب الصين، ودفعها إلى المطالبة بإلغاء الصفقة على الفور. وفيما لم يمتثل الجانب الأميركي ولا التايواني للتحذيرات الصينية، اضطرت بكين إلى أن تنشر، الأسبوع الماضي، تقريراً بعنوان «الكتاب الأبيض للدفاع الوطني في العصر الجديد»، يرسم الخطوط العريضة لسياسة البلاد الدفاعية خلال المرحلة المقبلة، متضمّناً تهديدات باستخدام القوة العسكرية في جهود إعادة توحيد تايوان مع البلاد، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة للقضاء على «الانفصاليين» في الجزيرة.
وفي تعليقها على أحدث الخطوات الصينية، أدانت تايوان ما وصفته بأنه «حظر تعسفي» من قِبَل بكين على المواطنين الصينيين الذين يحاولون السفر إلى تايوان. وقال مجلس شؤون البر الرئيسي، الهيئة الحكومية التي تتعامل مع بكين، إن الإعلان الصادر عن وزارة الثقافة والسياحة الصينية يمثّل «انتهاكاً لاتفاق ثنائي بشأن السياحة»، مضيفاً أنه «لم يجرِ التشاور معه بشأن الخطوة».