على الرغم من أن المحقق الأميركي الخاص السابق روبرت مولر لم يغيّر موقفه خلال جلستي الاستماع في مجلس النواب، قبل أيام، إلا أن عدداً لا بأس به من النواب الديموقراطيين بقي متشبثاً بضرورة مواصلة العمل على خلع الرئيس دونالد ترامب. مولر لم يمنح أي منفذ للساعين لبدء إجراءات عزل ضدّ ترامب، وأكد أن «ما خلص إليه التحقيق يشير إلى أنّ الرئيس لم يُبرّأ من أفعال يشتبه في أنّه ارتكبها». إلا أنه رفض مجدداً تقديم توصيات بشأن التدابير الواجب اتخاذها على ضوء خلاصاته، والقول إن كان يعتبر أنّ الرئيس الأميركي انتهك القانون أو لا.

وفي جلستي الاستماع اللتين استغرقتا حوالى سبع ساعات، لم يحد المدّعي العام قيد أنملة عن مضمون التقرير الذي أعدّه بشأن تحقيقه، الذي نُشر في نيسان/أبريل. ويصف في تقريره الجهود التي بذلتها روسيا لترجيح كفة ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2016، لكنّه يقول صراحة إنّ المحقّقين لم يعثروا على أيّ دليل على وجود أي تنسيق بهذا الشأن بين موسكو والحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري آنذاك. كذلك، يورد التقرير بالتفصيل سلسلة من الضغوط مارسها ترامب على سير التحقيق، مؤكّداً أنه لم يبرّئ الرئيس من شبهة عرقلة سير العدالة، كما أنّه لا يمكنه توجيه الاتهام إليه على خلفية هذه الشبهة، لكون القانون يمنع على القضاء العدلي مقاضاة رئيس أثناء توليه منصبه. وشدّد مولر في الجلسة على أنّ «ما خلص إليه التحقيق يشير إلى أنّ الرئيس لم يُبرّأ من أفعال يشتبه في أنّه ارتكبها»، رافضاً مجدداً تقديم توصيات بشأن التدابير الواجب اتخاذها على ضوء خلاصاته والقول إذا ما كان يعتبر أنّ الرئيس انتهك القانون أو لا.
وفي حين بدا الديموقراطيون كأنهم استفاقوا من حلم عزل الرئيس دونالد ترامب، غداة الشهادة التي أدلى بها مولر، إلا أن ذلك لم يمنع إصرار عدد منهم على استئناف إجراءات العزل. فقد أعلن أربعة نواب ديموقراطيين إضافيين ضرورة البدء بهذه العملية، بمن فيهم ممّن ينتمون إلى الصف الأول، ما يعني أن عدد النواب الداعين إلى عزل الرئيس بات 90 نائباً، وفق صحيفة «نيويورك تايمز»، التي نقلت عن النائب عن نيويورك جارولد نادلر، الذي يترأس لجنة العدل، اقتناعه، أكثر فأكثر، بأنه يجب على لجنته مواصلة جلسات الاستماع المرتبطة بعزل الرئيس، بأسرع وقت ممكن. نودلر لم يُدل بذلك علناً، بل كشف عن رأيه خلال اجتماع مع مشرّعين آخرين في إحدى الغرف المُغلقة، وفقاً لمشرّعين ومساعدين. وبحسب الصحيفة، فقد أكد أنه يجب على لجان مجلس النواب البدء قريباً بالتمحيص في البنود المتعلّقة بالعزل، وذلك على الرغم من أن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي رفضت فكرة القيام بعمل سريع. ويخشى قادة الحزب الديموقراطي، وفي مقدّمتهم بيلوسي، من أن تنقلب محاولة عزل الرئيس ضد مصلحة الحزب، خلال الحملة الانتخابية، كونها قد تطغى على مواضيع حملتهم الانتخابية (البيئة، التأمين الصحي، إصلاح القضاء الجنائي...). وهم بالتالي يفضّلون إتاحة الوقت أمام مجلس النواب لإنهاء تحقيقاته المختلفة بهدف توفير الأدلة اللازمة لأعضاء مجلس الشيوخ. ومن على شاشة «سي أن أن» أيضاً، قالت النائبة كارين باس، التي لم تؤيد إطلاق آلية لعزل ترامب، إنّ شهادة مولر كانت «خطوة مهمة إلى الأمام، لكنها لم تجعلني أغيّر موقفي».

يجب على الديموقراطيين تركيز جهودهم على محاولة هزيمة الرئيس في الانتخابات المقبلة


في المقابل، يسود شعور في أوساط الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي، بمن في ذلك نجمته الصاعدة ألكزاندريا أوكازيو ــ كورتيز، وفي أوساط العديد من المتنافسين على نيل بطاقة الترشيح الديموقراطية للانتخابات الرئاسية المقبلة، بمن فيهم بيرني ساندرز وكامالا هاريس وإليزابيث وارن، بالحاجة إلى اتّخاذ إجراء ضد ترامب عقب شهادة مولر.
لكن قبل الشروع في أي إجراء من هذا القبيل، يجب أن تكون لدى الديموقراطيين قاعدة صلبة لا يستطيع مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه الجمهوريون نسفها، بحسب ما أشارت إليه كاتي هيل التي ما زالت متردّدة في دعم مثل هذا الإجراء. وقالت هيل، مساء الأربعاء في رسالة مصورة إلى ناخبيها: «لا أريد أن أقوم بذلك إلا عندما نكون جاهزين تماماً، لأنني أعتقد في قرارة نفسي أنه ستكون لدينا محاولة واحدة فقط».
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، بن شابيرو، إن الديموقراطيين الذين كانوا يأملون في جلسة استماع «أكثر حسماً»، لا يمكنهم أن يسرّعوا خطاهم نحو «إطلاق إجراءات عزل الرئيس كما كان البعض منهم يتمنى ذلك». وأضاف: «إذا كانت بيلوسي متردّدة في الضغط من أجل إطلاق الإجراء (عزل الرئيس)، فقد أعطتها شهادة مولر الدافع للقيام بذلك وفقاً لسرعتها الخاصة».
وفي الواقع، فإنّ جلستي الاستماع شوّهتا صورة مولر أمام الرأي العام، إذ بدا غير حاسم، يكرّر بانتظام أسئلة النواب، ما أثار سرور ترامب. ولم يتردّد مايكل مور، الشخصية البارزة في مجال الأفلام الوثائقية الأميركية والمعارض الشرس لترامب، في السخرية من أداء مولر. فقد قال في تغريدة على «تويتر»، إنه بدا «رجلاً مسنّاً ضعيفاً، غير قادر على تذكّر الأشياء، ويتلعثم، ويرفض الإجابة عن الأسئلة الأساسية». وقد سارع ترامب إلى إعادة نشر تغريدة مور، معلّقاً عليها بالقول: «حتى مايكل مور يوافق على أنّ الديموقراطيين ومولر أخفقوا».
في انتظار أي جديد في هذا الشأن، بات الديموقراطيون أمام خيار أوحد، وهو تركيز جهودهم على محاولة هزيمة الرئيس في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي يفضّله جزء كبير منهم. وفي هذا الإطار، أقرّ النائب الديموقراطي آدم شيف، عبر شبكة «سي أن أن»، بأنّ استحقاق «2020 هو على الأرجح السبيل الوحيد لجعله يغادر السلطة»، في إشارة إلى ترامب الذي لم ينتظر كثيراً لإطلاق حملته الانتخابية لولاية ثانية وبزخم كبير. وأضاف رئيس إحدى اللجنتين النيابيتين اللتين استجوبتا مولر، يوم الأربعاء: «كنت لأشعر بالسعادة لو كان بإمكاننا أن نعزله، لكنّنا لسنا في هذا الوارد الآن». وبحسب شيف، فإنّ مولر، الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي آي»، كان خلال جلسة الاستماع «شاهداً عصيّاً للغاية»، ولكن جوهر شهادته كان «ساحقاً» لترامب.