من دون الخوض في نقاش إذا ما كان أي من التحالفات العسكرية المزمع إنشاؤها، سواء الأوروبي منها أو ذو القيادة الأميركية، سيُستكمل إنشاؤه رسمياً وسيعلن عنه كتحالف جدّي، فإن من الواضح أن «نوعاً» من برامج الحماية قد بدأ العمل به فعلاً في منطقة الخليج. إذ عبرت مضيق هرمز ناقلتا نفط بريطانيتان على الأقل منذ أن احتجز الإيرانيون الناقلة «ستينا إمبيرو» الأسبوع الماضي، بمرافقة سفينة حربية بريطانية هي «مونتروز» (سيتم استبدالها بسفينة أخرى قريباً ضمن إجراء روتيني)، كما كانت تتبعها عن بعد سفينة حربية أخرى تعود إلى القوات الفرنسية.

وكان رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، قد أكد في حديث مع الصحافيين أول من أمس، أن المبادرة الأميركية، أي برنامج «الحارس»، بشكل ما يتم تنفيذه بالفعل ولكن على نطاق محدود، إذ نقلت عنه وكالة «رويترز» قوله «(إننا) تبادلنا معلومات المخابرات في العمليتين البريطانيتين اللتين نُفِّذتا خلال الأيام العشرة الأخيرة». ووفقاً للخطة الأميركية التي كانت قد أُعلنت تفاصيلها المبدئية في التاسع من تموز/ يوليو، فإن الولايات المتحدة تتولى جهود تنسيق السفن وتقود عمليات المراقبة، بينما يقوم المشاركون في «التحالف» بدوريات في المياه القريبة، ويتولون مهمة مرافقة السفن التجارية التي ترفع أعلام دولهم، مع التأكيد على أن كل دولة ترافق السفن التي ترفع أعلامها، ولن ترافق الولايات المتحدة السفن التجارية التابعة للدول الأخرى. وأشار دانفورد إلى أن الخطة الأميركية ستسمح «لهذه الدول التي سترافق سفنها بالاستفادة من المعلومات وتقديرات الأوضاع المتاحة لنا كل يوم». ويهدف البند الذي يُلزم كل دولة بحماية ناقلاتها عبر سفنها العسكرية، إلى حشد أكبر عدد ممكن من الدول ضمن التحالف الذي تقوده وتوجهه واشنطن، وذلك في إطار محاولات «التوريط» التي تعمل عليها منذ اندلاع الأزمة الأخيرة.

توسيع هامش «الأخطاء القاتلة»
بما أن برنامج «حارس» الذي تسعى واشنطن إلى إنشائه بالتعاون مع دول أخرى، إن تمّ، سيؤدي في النهاية إلى إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى بحر الخليج وبحر عمان، بدءاً من السفن والمدمرات، وصولاً إلى الطائرات المسيرة والحربية وغيرها، فإن ذلك يعني بالتأكيد توسيع هامش ارتكاب الأخطاء القاتلة التي قد تؤدي إلى اشتباك لا تُعلم نتائجه. كما أن «عسكَرة» الخليج وملئه بالقوات، بالطريقة التي تبحث عنها واشنطن اليوم، لن يدفع إيران إلى الانكفاء والتراجع، إذ لا مجال بالنسبة الى طهران للتخلي عن ورقة الضغط التي تمثّلها السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز الاستراتيجي ومياه الخليج وبحر عمان. بل إن دفع كل هذه القوات في وجه إيران، سيدفعها إلى اتخاذ إجراءات ربما تكون أكثر حزماً، وهي أثبتت جدّية حقيقية في ذلك عندما أسقطت الطائرة الأميركية المسيرة أخيراً. ويمكن الرجوع إلى عام 1987، عندما أطلقت إدارة الرئيس رونالد ريغان عملية «الإرادة الصارمة» فنشرت عشرات السفن الحربية والطائرات في الخليج بهدف حماية الملاحة خلال الحرب بين إيران والعراق. لكن رغم ذلك، فإنها لم تتمكن من ردع إيران، التي كانت تخوض حرباً طاحنة، عن مهاجمة ناقلات العراق والدول الداعمة للحرب عليها، عبر الألغام البحرية والزوارق السريعة وطرق أخرى مبتكرة، وهو ما أدى في النهاية إلى مواجهة بين واشنطن وطهران في العام التالي.

لن ترافق سفن الولايات المتحدة السفن التجارية التابعة للدول الأخرى


ومع تغير المعادلات والموازين العسكرية اليوم، فإن الوضع الحالي بالنسبة إلى القوات البحرية الإيرانية لا يمكن مقارنته مع وضعها في الثمانينيات، ولو نسبياً، فهي اليوم تملك قدرات «استثنائية» تمنحها تفوّقاً تكتيكياً في بحر الخليج. وفي هذا السياق، يشير الأدميرال المتقاعد في الجيش الأميركي جيمس ستافريديس، في مقال نُشر في مجلة «ناشونال إنترست» الأميركية، إلى أن إيران لديها «قدرات غير متكافئة قوية بشكل استثنائي»، ويعطي مثالاً على ذلك «الهجمات السيبرانية، وتكتيكات سرب القوارب الصغيرة، وغواصات الديزل، والقوات الخاصة، وصواريخ كروز»، مشيراً إلى أنها «كلها رفيعة المستوى». ويوم أمس، قال قائد السلاح البحري في الجيش الإيراني، حسين خانزادي إن القوات البحرية الإيرانية «ترصد كل تحركات السفن والبوارج والمدمرات الأميركية منذ لحظة دخولها إلى الخليج وبحر عمان»، كما أكد جاهزية القوات الإيرانية لمواجهة «العدو»، مشيراً إلى أن «عليه أن ينتظر مفاجآتنا في أمكنة لا يمكنه رؤيتنا فيها».
لا يحتاج اندلاع مواجهة عسكرية، ثم التدحرج نحو الحرب، في مسرح عمليات مهيأ كالخليج، سوى إلى سلسلة من الأخطاء التكتيكية، أو خطأ واحد قاتل، بالتوازي مع افتراضات وتصورات خاطئة. ولعلّ الاستنفار الذي يشهده الخليج اليوم، مع مزيد من القوات والسلاح والبرامج العسكرية، في مساحة بحرية تعدّ ضيقة نسبياً، والسيطرة عليها بالنسبة إلى إيران خط أحمر، ويرافق ذلك ضغوط قصوى تمارسها واشنطن على طهران... تشكّل هذه العوامل مجتمعة البيئة المثالية لوقوع اشتباك، لا يبدو أن واشنطن تريد تحمل مسؤوليته وحدها، فتدفع معها إلى الحلبة أكبر عدد ممكن من الدول.