على بعد أسبوع واحد من الموعد النهائي لتسجيل القوائم الائتلافية في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بدأت تتبلور صورة التحالفات، في وقت يسود فيه عدم اليقين بشأن قدرة أيّ من المعسكرين، اليمين واليسار، على تحقيق الفوز الحاسم.

وإذا كانت النتائج المُقدَّرة للانتخابات المقرّر إجراؤها في 17 أيلول/ سبتمبر المقبل، تشبه في جوانب عديدة منها نتائج انتخابات نيسان/ أبريل الماضي، وتحديداً لناحية تعذّر تأليف الحكومة على أيٍّ من المعسكرين، كما تظهر استطلاعات الرأي، إلا أن عدداً كبيراً من الأحزاب التي توصف بـ«المتأرجحة» بين السقوط والبقاء السياسي، تسعى إلى تفادي نتائج شبيهة بما أفرزته الانتخابات السابقة، عبر توحيد كياناتها في قوائم انتخابية مشتركة مع أحزاب تماثلها ضمن المعسكر نفسه، للحؤول دون السقوط. هذه المساعي تكمن أهمية متابعتها في أن بإمكان المقعد الواحد تقرير من يؤلف الحكومة المقبلة لدى المعسكرين الكبيرين، مثلما حصل في الانتخابات الأخيرة، الأمر الذي ينعكس أيضاً جهوداً لدى الأحزاب الكبيرة لتشكيل الائتلافات داخل معسكراتها، سواء من اليمين أم يسار الوسط.
بموجب قانون الانتخابات، القائم على مبدأ النسبية واعتبار إسرائيل دائرة انتخابية واحدة، على كل لائحة أن تتجاوز نسبة 3.25 في المئة من عدد الناخبين، كي يصار إلى حساب عدد الأصوات التي حصلت عليها وترجمتها إلى مقاعد في الكنيست. هذه النسبة، التي تعادل ما بين ثلاثة وأربعة مقاعد، تعتبر كبيرة لدى الأحزاب الصغيرة، التي يُشكّ في إمكانية تجاوزها تلك العتبة منفردة من دون ائتلافات، وهو ما واجهه حزب «اليمين الجديد» وغيره في الانتخابات الماضية. انطلاقاً من ذلك، تُعدّ القوائم الائتلافية مَعبَراً للنجاة من السقوط؛ كونها تؤمن للأحزاب المتأرجحة تجاوز العتبة الانتخابية، لكن الخلاف يبقى على ترتيب الأسماء داخل اللائحة الواحدة، علماً بأن عدد المقاعد التي تفوز بها تُوزَّع وفقاً للترتيب الوارد فيها. وبسبب الخلافات المذكورة، لم تتشكل كل اللوائح الائتلافية إلى الآن، وإن باتت اتجاهاتها العامة واضحة، وذلك قبل أسبوع واحد من انتهاء المهلة القانونية لإيداع القوائم لدى لجنة الانتخابات المركزية.

لا تغيير في نتائج استطلاعات الرأي بين الحزبين الكبيرين


فضلاً عمّا تقدم، يعني إخفاق أيّ حزب من اليسار أو الوسط أو اليمين في تجاوز العتبة الانتخابية، إضافة إلى سقوطه، أن معسكره الأكبر فقد كتلة ناخبة كان من شأنها تغيير النتيجة لجهة الميزان الكلي بين المعسكرات الثلاثة، وهو ما برز في الانتخابات الماضية، ويمكن أن يتكرر في الانتخابات المقبلة، خاصة أن العتبة الانتخابية تصل إلى أربعة مقاعد في الكنيست. على هذه الخلفية، تُعدّ مسألة الاتحاد بين الأحزاب المتأرجحة هدفاً لصدّ الخطر الوجودي على الأحزاب نفسها، وإن كان جزء من الائتلاف يهدف كذلك إلى زيادة عدد المقاعد، وبالتالي القدرة على التأثير في الساحة السياسية لاحقاً. وفي الموازاة، بناءً على نظرة شاملة، يمثل الاتحاد بين الأحزاب هدفاً للمعسكرات نفسها، ضمن الحسابات الكلية للنتائج المقبلة، والتي تتعلق بالقدرة على نيل التكليف، ومن ثم تأليف الحكومة، إلا أن ما يتعارض مع هذه المصلحة، الحسابات الشخصية لزعماء الأحزاب الكبيرة، في واحدة من مفارقات الانتخابات في إسرائيل. لكن، مع اقتراب الموعد النهائي لإيداع اللوائح الانتخابية، تتقلّص إمكانية اللعب على المكانة وتحسين الشروط، لمصلحة المسارعة إلى تشكيل اللائحة وإيداعها، خاصة أن لكل حزب أكثر من عرض للائتلاف الانتخابي، كان يتنقل في ما بينها في الأسبوعين الأخيرين.
في معسكر اليسار، برز أمس اتحاد حزبين متأرجحين بين السقوط والبقاء، وهما حزب «ميرتس» وحزب «إسرائيل الديمقراطية» الذي أنشأه أخيراً لخوض الانتخابات رئيس الحكومة السابق، إيهود باراك. واللافت في اللائحة أن باراك حلّ عاشراً فيها، الأمر الذي يعني تقديراً لديه بفوز اللائحة بما يزيد على عشرة مقاعد من جهة، ومن جهة أخرى تشاطراً سياسياً بهدف القول إن المناصب لا تعنيه، وإن الأهم لديه كما يردّد هو إنقاذ إسرائيل من رئيس الحكومة المؤقتة، بنيامين نتنياهو. ولدى المعسكر اليساري، أو بعبارة أدق يسار الوسط، برز أيضاً ائتلاف بين حزب «العمل»، برئاسة عامير بيرتس، وحزب «غيشر»، برئاسة أورلي ليفي أبيكاسيس، المنشقّة عن حزب «إسرائيل بيتنا» من اليمين. ويرى مراقبون أن هذا الائتلاف شاذّ، على خلفية الهوية السياسية للحزبين، على رغم أن حزب «غيشر» يتحرك بناءً على جدول أعمال اجتماعي غير سياسي، وهو ما شجّع بيرتس على تفضيله على العرض المُقدَّم إليه من باراك. كما أن بيرتس يأمل أن يجلب «غيشر» إلى اللائحة أصواتاً من اليمين، في خرق قد يكون الوحيد في تموضعات الجمهور الإسرائيلي، إن حدث بالفعل. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب «العمل»، مع حزب «غيشر» الذي فشل في الانتخابات الماضية في تجاوز العتبة الانتخابية، سيفوزان بثمانية مقاعد، وهي نتيجة جيدة نسبياً لـ«العمل»، مقارنة بإمكانية السقوط .
في المقابل، تسعى وزيرة القضاء السابقة، إييلت شاكيد، بعدما تسلّمت حزب «اليمين الجديد» من رئيسه السابق نفتالي بينيت، إلى توحيد الأحزاب المتطرفة التي تتموضع إلى يمين حزب «الليكود»، ضمن لائحة انتخابية واحدة، ومن بينها «اتحاد أحزاب اليمين» و«البيت اليهودي» و«اليمين الجديد». وهذا المسعى، على رغم أنه يُعدّ تعزيزاً لقوة اليمين في الانتخابات المقبلة، ويمنع تسرّب أو تبدّد كتل يمينية نتيجة سقوط هذا الحزب أو ذاك، إلا أنه لا يلقى رضىً من قِبَل بنيامين نتنياهو، الذي وإن أراد ائتلافات تمنع تبدّد أصوات يمينية، يبدو غير معنيّ بتشكيل ائتلاف قوي منافس إلى يمينه، إضافة إلى أنه يريد من الأحزاب الصغيرة ليس فقط زيادة عدد مقاعدها، بل أيضاً العمل على سحب ناخبين من حزب «إسرائيل بيتنا» وإضعافه. وبين المسعى ورفضه، سيتحدّد خلال أيام مصير الائتلاف اليميني المقبل، وعليه يمكن تقدير فاعليته وتأثيره على مجمل المعسكر اليميني، ومدى قدرته على تقليص قوة حزب أفيغدور ليبرمان، «إسرائيل بيتنا»، الذي بات بالفعل صاحب الكلمة الفصل في تأليف أي حكومة.
إلى ذلك، لا تغيير في نتائج استطلاعات الرأي بين الحزبين الكبيرين، إذ إن التعادل شبه ثابت بين حزب «الليكود» وحزب «أزرق أبيض»، علماً بأن تقدم أحدهما على الآخر لا يحدث فارقاً كبيراً، ما لم يكونا قادرين على تأليف الحكومة المقبلة، وهو ما يبدو أن مفتاحه الحصري، في ظلّ استبعاد حكومة وحدة بين الحزبين، يظلّ لدى أفيغدور ليبرمان. وعليه، وعلى رغم كل «الدروس والعبر» من الانتخابات الماضية، ستستمرّ المعضلات في ميزان القوى على حالها، مع صعوبة تجاوزها.