لا يملك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خيار توجيه انتقادات علنية لبعض المواقف الأميركية الانكفائية في مواجهة الضغوط الإيرانية المضادة. فهو لا يستطيع أن يبدو كَمَن يحرّض على تورّط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مع إيران، خصوصاً أنه يدرك الأثمان الكبيرة التي سيدفعها الطرفان الأميركي والإسرائيلي نتيجة أي خيار عدواني واسع.

إدراك العدو حساسية الموقف، وخطورة مفاعيل الكباش الإيراني ــــ الأميركي، يدفع نتنياهو إلى أن ينتقي كلماته بنحو مدروس في المضمون والتوقيت. فهو يهدد وفق حسابات، ويصمت وفق حسابات، ويختار كلماته وفق حسابات. على هذا الأساس، اختار مناسبة استقباله وزير الطاقة الأميركي، ريك بيري، من أجل إطلاق مجموعة مواقف تحدد رؤية إسرائيل والخيارات التي تدعو إليها. وهي مواقف بدا من خلالها نتنياهو، كما العديد من الجهات الأخرى التي تخلط بين الضغوط، وبين مفاعيلها التي هي الهدف الحقيقي. إذ لا أحد ينكر أن إيران ومحور المقاومة يتعرّضان لضغوط قاسية، لكن هذه الضغوط ليست هي الهدف بذاته، بل هي وسيلة لإخضاع إيران وإجبارها على تقديم التنازلات النووية والإقليمية والصاروخية المطلوبة. وهو ما لم يتحقق، ولا مؤشر على إمكانية تحققه. في هذا الإطار، رأى نتنياهو أن «العقوبات تبدأ بالتأثير، ومن المهم أن تتواصل، والمهم أن تبقى (إيران) تحت الضغط». واستدل على ذلك بأن مصادر التمويل الإيراني لأطراف محور المقاومة في العراق وسوريا ولبنان بدأت بالنفاد. لكنه تجاهل بذلك حقيقة أن المسافة بين النتائج التي تحققت إلى الآن، وبين ما يأمله هو، ما زالت طويلة ودونها الكثير من العقبات والمخاطر.

دعا نتنياهو إلى تقليد إسرائيل في «الاستخدام الموزون للقوة»


كذلك، ظهر نتنياهو حريصاً على منح تلك الضغوط دفعة إضافية، باعتبارها الخيار الوحيد المتاح في مواجهة صمود إيران وتصميمها. إذ رأى أن «الأمور الثلاثة التي علينا القيام بها في مواجهة العدوانية الإيرانية، هي الضغط، ثم الضغط، ثم المزيد من الضغط». دعوة تشي بأن نتنياهو يدرك أن البديل من استمرار الضغوط هو التراجع أمام إيران، الذي سيُترجم إلى انتصار استراتيجي تترتب عليه تداعيات تاريخية على مستوى المنطقة. وبهدف الحؤول دون هذه التداعيات، يواصل التشديد على إمكانية تحقيق النتائج المرجوّة لناحية تنازل إيران عن طموحاتها النووية والإقليمية، من خلال استمرار السياسة المتبعة حالياً.
لكن حديث نتنياهو يثير تساؤلات عمّا إذا كان الرجل مقتنعاً فعلاً بما يقول، أو أنه يلجأ إليه لعدم وجود خيار بديل، ولأنه لا يستطيع أن يتبنى خطاباً مغايراً. في هذا الإطار، يبدو أنه بات قلقاً من اقتصار دائرة الضغوط على الولايات المتحدة التي لم تحقق ما كان مأمولاً منها حتى الآن، ومن هنا فهو يراهن ويعمل على توسيع نطاق هذه الدائرة عالمياً، مشدداً على أهمية أن تعلن «أمم العالم إرادتها في كبح العدوانية الإيرانية، والوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وإظهار تصميم مشترك» معها.
في المقابل، انطلاقاً من فهم دقيق لما ينطوي عليه الضغط المضاد الذي تمارسه إيران، والنجاح الذي سجلته حتى الآن، دعا نتنياهو إلى ضرورة عدم السماح لها بإرباك نقل النفط عبر المياه الدولية، مشيراً إلى أن «الأمر الأول الذي ينبغي القيام به، زيادة الضغط المفعل على إيران». وتعبيراً عن الخشية من مفاعيل توجيه رسائل ضعف في مواجهة الجمهورية الإسلامية، شدد على أنه «ممنوع إظهار التردد»، وهو ما يشير إلى مخاوف تسكنه جراء الأداء الأميركي والأوروبي في الخليج، لكونه سيؤدي إلى توسيع هامش المبادرة أمام إيران، ويدفعها إلى رفع مستوى الضغوط المضادة في المرحلة اللاحقة.
وفي السياق نفسه، دعا نتنياهو إلى تقليد إسرائيل في ما سمّاه «الاستخدام الموزون للقوة». لكن من غير الواضح، هنا أيضاً، ما إذا كان نتنياهو فعلاً مقتنعاً بدعوته تلك، أو أنه يتجاهل الفروقات الجوهرية بين نتائج ما يقوم به من اعتداءات على الساحة السورية، وردود الفعل المرجحة من قِبَل إيران في مواجهة تجاوز ما تعتبره خطوطاً حمراء، وأبرز المصاديق المدوية لذلك إسقاط طائرة التجسس الأميركية، والرد على حجز ناقلتها بالسيطرة على ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز.