على رغم معارضتها الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران، وإبداء حرصها على إنقاذ الاتفاق، لم يكن مستغرباً أن تنقاد بريطانيا خلف الولايات المتحدة مع ارتفاع حدة مواجهتها مع طهران. فالانقياد خلف واشنطن، والمشاركة في حروبها العدوانية عندما تطلب ذلك، من ثوابت السياسة الخارجية للقوة الإمبراطورية الهرمة، من أجل الحصول على بعض الفتات كمكافأة منها. لا شك في أن «بركسيت» عزز قوة هذا التوجه القديم لدى قطاع وازن من نخب المملكة السياسية. لم تمنع قوة هذا التوجه وقدمه الولايات المتحدة من السعي إلى توريط بريطانيا أكثر في معركتها مع إيران، وفق المعلومات التي كشف عنها الصحافي سيمون تسيدال في صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية، حول ملابسات احتجاز الأخيرة ناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق. لكن واشنطن كان لديها هدف آخر لم يتطرق إليه تسيدال، وهو مرتبط برد الفعل الإيراني المتوقع على احتجاز الناقلة وتداعياته، أي توريط أكبر عدد ممكن من دول العالم في المواجهة مع طهران، تحت شعار الحفاظ على حرية الملاحة في الخليج، لكنها حتى اللحظة لم تنجح في بلوغه.

سبق لإيران أن أعلنت مراراً أنها لن تقبل أن تحاصر وتُجوّع، عبر منعها من تصدير نفطها، بينما تستمر دول الخليج الأخرى في ذلك. فمنذ سنة تقريباً، في تموز/يوليو 2018، أعلن محمد علي جعفري، وهو القائد السابق للحرس الثوري، أن الجمهورية الإسلامية «ستجعل العدو يفهم أن مضيق هرمز إما يكون مفتوحاً أمام الجميع، وإما لا يكون أمام أحد». ومع دخول سياسة «العقوبات القصوى» حيّز التنفيذ، وقعت بضع هجمات على ناقلات نفط في المنطقة اعتبرتها الولايات المتحدة وحلفاؤها ترجمة عملية لتهديدات طهران. هي بررت سياستها العدوانية تجاه إيران عبر سلسلة من الاتهامات تبدأ من الزعم بوجود نية للأخيرة لامتلاك سلاح نووي في المستقبل من دون أدنى دليل، وعلى رغم عدم اقتناع أي من الجهات الأخرى المعنية بالاتفاق النووي معها، بذلك، وتنتهي بتأكيد دورها «المزعزع للاستقرار»، نتيجة التهديد الذي يمثله مشروعها الباليستي لحلفاء واشنطن، ودعمها تنظيمات مصنفة «إرهابية».
لم تنجح إدارة دونالد ترامب في دفع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، باستثناء إسرائيل والسعودية والإمارات، إلى الانجرار خلفها في حربها الراهنة. هؤلاء الحلفاء يريدون الحد من تطور البرنامج الصاروخي الإيراني حماية لإسرائيل، وهم يعارضون مساندتها للمقاومة في لبنان وفلسطين، ودورها في سوريا والعراق واليمن، لكنهم غير مستعدين لخوض مواجهة عسكرية مباشرة معها من أجل ذلك. يعتقدون في غالبيتهم أن قدراً معيناً من الضغوط السياسية والاقتصادية من جهة، والحوار وتقديم «المحفزات» من جهة أخرى، قد يسمحان بالوصول إلى الغايات المرجوة، من دون مغامرات عسكرية باهظة الأكلاف وغير مضمونة النتائج.
الموقف البريطاني الرسمي حتى بدايات تموز/يوليو الجاري لم يكن متمايزاً عن هذه المقاربة. لكن ما أقدمت عليه لندن عند احتجازها ناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق، يعكس تحوّلاً جذرياً في موقفها. تسيدال رأى أن «الدلائل المتراكمة توضح أن فريق (جون) بولتون للأمن القومي تورط مباشرة في صناعة حادثة جبل طارق. صارت الشكوك تحوم حول السياسيين المحافظين الذين تلهّوا بتنازعهم حول اختيار رئيس وزراء جديد وبصراعهم على السلطة ووقعوا في فخ أميركي... بالنسبة إلى بولتون، إن حمل بريطانيا على الوقوف من دون أي التباس إلى جانب الولايات المتحدة كان ضرورياً. وعندما بدأ قمر اصطناعي، مخصص للمساهمة في كشف تصدير إيران للنفط ووقفه بناءً على تعليمات ترامب، رصْدَ رحلة الناقلة الإيرانية باتجاه سوريا، وجد بولتون فرصته».
وفقاً للصحافي البريطاني، أبلغ بولتون البريطانيين، الذين حجزوا السفينة عند مرورها في مضيق جبل طارق في الرابع من الشهر الجاري. خطوة كهذه كانت ستستدرج بالضرورة ردّ فعل إيرانياً، وهو ما حدث بحجز طهران ناقلة بريطانية. ما بين 15 إلى 30 ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني تعبر مضيق هرمز يومياً؛ لم يكن صعباً على إيران التصرف. بريطانيا باتت اليوم متورطة في المواجهة، لكن أي دولة أخرى لم تُستدرج حتى الآن. ربما يراهن حزب الحرب في الإدارة الأميركية على «تدحرج» الأفعال وردود الأفعال، مثل صدام بين دورية للحرس الثوري وقوة حماية لناقلة، أو حجز لناقلة أخرى، من أجل دفع الأمور نحو المزيد من التصعيد وحمل الدول الأوروبية على وقف أي محاولة لإنقاذ الاتفاق النووي، ومن ثمّ العودة بدورها إلى تشديد العقوبات. الواقع أنه ما لم تمتلك هذه الدول الجرأة على معارضة الحرب الأميركية على إيران، والتنسيق مع روسيا والصين والأطراف الدولية الأخرى لطرح حل سياسي بديل، ستجد نفسها، في سياق التزايد المتوقع لحدة المواجهة، مهمّشة تماماً في أحسن الأحوال، أو منساقة خلف إدارة ترامب في أسوئها.