بعد مضيّ شهر على نشر موقع «ذي إنترسبت» الاستقصائي الأميركي تسريبات بشأن المؤامرة التي حاكها وزير العدل البرازيلي، سيرجيو مورو، مع عدد من المحقّقين والقضاة، لتوريط الزعيم «العمّالي» والرئيس الأسبق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بقضايا فساد، وإيداعه السجن بموجبها، كُشف، يوم أمس، عن مؤامرة جديدة بتوقيع الفريق ذاته، لتسريب معلومات سرية تخصّ قضية «غسل السيارات» إلى شخصيات في المعارضة الفنزويلية، بناءً على اقتراح مورو، قاضي التحقيق حينها. تشير محادثات خاصة عبر تطبيق «تلغرام» في آب/ أغسطس 2017 إلى أن دوافع المدّعين لم تكن قضائية، بل سياسية: ناقش هؤلاء الإفصاح عن معلومات حسّاسة تخصّ حكومة نيكولاس مادورو، التي اتخذت للتوّ خطوات لتقليص نفوذ المعارضين، من ضمنها إقالة المدعية العامة الفنزويلية المعادية لمادورو.

في الخامس من آب/ أغسطس 2017، اقترح مورو على منسّق التحقيقات في قضية «غسل السيارات»، ديلتان دالاغنول، فضح قضية رشىً «أودبريشت» في فنزويلا (شركة مقاولات متعددة الجنسيات، مقرها البرازيل، متورطة في قضايا فساد بمليارات الدولارات). وهي رشىً كان الكشف الأخير لـ«الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين»، الصادر أواخر الشهر الماضي، قد قدّرها بـ142 مليون دولار (ما بين عامَي 2011 و2014 فقط) دفعتها الشركة مقابل عقود مربحة في فنزويلا، علماً بأن «أودبريشت» اعترفت للمدّعين العامين بـ98 مليون دولار فقط. غير أن دالاغنول اقترح «إرسال معلومات عفوية، في انتظار أن ينشرها شخص ما». هنا، ناقش المدعون العامون إرسال التسريبات إلى المدعية العامة الفنزويلية المخلوعة، لويزا أورتيغا دياز، التي قرّرت نشر أدلة سرية من قضية «غسل السيارات» على مدونتها، عشية انتخابات مهمة. وعلى الرغم من أن هذه المؤامرة السرية لسرقة معلومات من شأنها أن تلحق الضرر بحكومة أجنبية، منسوبة إلى مورو، إلا أنْ لا دليل حاسماً على أن الأمر ليس أكبر من سلطة مكتب المدعي العام البرازيلي، أو قاضٍ فدرالي عادي مثل مورو.

ناقش المدّعون البرازيليون الإفصاح عن معلومات حسّاسة تخصّ حكومة مادورو


في هذا الإطار، يجدر التذكير بأن فكرة تسريب المعلومات التي يمكن أن تضرّ بحكومة مادورو جاءت في خضمّ توتر العلاقات الدولية. بحلول تموز/ يوليو 2017، كانت الولايات المتحدة قد هدّدت الرئيس الفنزويلي بفرض عقوبات جديدة إذا استمرت فنزويلا بخططها لانتخاب «الجمعية التأسيسية» (هيئة تشريعية أُنشئت لتقويض البرلمان المعارض). أصبحت «التأسيسية» أمراً واقعاً، ما دفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى تهديد فنزويلا بعملٍ عسكري. في الوقت ذاته، أدى عزل الرئيسة ديلما روسيف في عام 2016 إلى تدهور العلاقات بين البرازيل وفنزويلا. وفي أعقاب الإقالة، علّقت الحكومة البرازيلية الجديدة عضوية فنزويلا في «ميركوسور» (السوق الجنوبية المشتركة). وفي كانون الأول/ ديسمبر 2017، طَردت فنزويلا السفير البرازيلي في كاراكاس، وردّ الرئيس آنذاك ميشيل تامر بالمثل. ووصلت العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها في كانون الثاني/ يناير الماضي، حين اعترف الرئيس اليميني المتطرف، جايير بولسنارو، بالانقلابي خوان غوايدو رئيساً لفنزويلا.
بصورة أكثر تحديداً، جاءت مناقشة المدعين العامين في «غسل السيارات» بشأن تسريب المعلومات لإلحاق الضرر بحكومة مادورو، في أعقاب طروء تغيير على نظام الحكم في فنزويلا، متمثل بولادة «الجمعية التأسيسية». قبل ساعات فقط من اقتراح مورو، التأمت هذه «الجمعية» في اليوم الأول من مداولاتها، واتخذت أولى خطواتها، بالتصويت لعزل المدعية العامة، لويزا أورتيغا دياز، التي كانت قد اصطفّت في المعسكر المعادي لمادورو، لتضحي حليفة محقّقي قضية «غسل السيارات». وسبق التصويتَ على عزلها بأسابيع، توجيهُ أورتيغا دياز اتهامات في قضية «أودبريشت»، بإدانتها اثنين من حلفاء مادورو بتلقي رشىً من الشركة.