التأمت قمة «العشرين» في اليابان بسقوف توقّعات منخفضة، خصوصاً وسط مراوحة في ملفات خلافية بين قادة العالم. وفيما يترقّب العالم مخرجات القمة الأميركية ـــ الصينية الصعبة، الحدث الأهم في هذه الدورة، لكونها ستبحث مصير الاقتصاد العالمي، بدت لافتةً مهادنة طبعت سلوك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وخطاباته.

بدعوة إلى «الانسجام الجميل» أطلقها رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، الذي تستضيف بلاده الحدث الدولي السنوي، افتتحت نقاشات القمة في المدينة اليابانية الساحلية. آبي، الذي وقف محاطاً بالرئيس الصيني شي جين بينغ من جهة، وترامب من الجهة الأخرى، دعا إلى «إيجاد قواسم مشتركة، بدلاً من التركيز على المواجهات»، وبدا كأنه يتوجه بكلامه هذا إلى طرفَي النزاع التجاري والتكنولوجي، اللذين يعقدان اليوم لقاء قمة مقرّراً، توقّع الرئيس الأميركي أن يكون بنّاءً، بينما أعربت وزارة الخارجية الصينية عن أملها أن تتمكّن واشنطن من «مقابلة بكين في منتصف الطريق».
متجنباً تسمية ترامب، لم يدّخر شي جهداً للتصويب على نظيره الأميركي في لقاء جمعه بزعماء دول إفريقية أمس. إذ أشار إلى أن أميركا هي «الرجل السيّئ» في تصاعد التوتر الاستراتيجي، منتقداً سياسة «أميركا أولاً» التي ينتهجها ترامب. وبينما حذّر من «ممارسات التنمّر» من قِبَل الحكومة الأميركية، قال إن «أي محاولة لوضع مصالح المرء الخاصة في المقام الأول وتقويض مصالح الآخرين، لن تكسبه أي شعبية».

دعا آبي إلى إيجاد قواسم مشتركة، بدلاً من التركيز على المواجهات


ضمن الإطار ذاته، حذّر الاتحاد الأوروبي من الضرر الذي تسببه الحرب التجارية المتصاعدة على الاقتصاد العالمي. وقال رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في مؤتمر صحافي أمس، إن العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين «صعبة»، وتسهم في تباطؤ الاقتصاد العالمي.
وفي رسالة بدا أنها موجهة إلى الأميركيين، نقل شي، خلال لقاءٍ جمعه بنظيره الكوري الجنوبي مون جاي إن، مساء أول من أمس، عزم الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، على نزع السلاح النووي، والمصالحة بين شعبي الكوريتين. مطلعاً مون على نتائج زيارته الأخيرة لبيونغ يانغ في الـ20 والـ21 من الشهر الحالي، لفت شي إلى أن كيم يبذل جهوداً من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين بما يتماشى مع «الخط الاستراتيجي الجديد»، مؤكداً أن زعيم كوريا الشمالية يرغب في حلّ القضايا العالقة من خلال الحوار، والتحلي بالصبر لإيجاد «طريقة معقولة» في وقت مبكر.
وفي انتظار ما سيخرج عن القمة، بدا أن ترامب «تلقّف» رسالة «الانسجام» اليابانية، مطلقاً تصريحات بدت في ظاهرها مهادنة، بعد سلسلة هجمات أطلقها قبيل انطلاق القمة. التصريحات هذه تبدّت خصوصاً في الإشادة بـ«المصانع الرائعة» التي بناها صانعو السيارات اليابانيون في الولايات المتحدة، كذلك أعرب عن رغبته في التوصل إلى «تفاهم» مع الهند التي ينتقد سياستها التجارية. واعتبر، في سياق آخر، أنْ «لا داعي للعجلة» في ما يتعلّق بالتوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وقبل التقاط الصورة الجماعية التقليدية، أجرى ترامب «حواراً ودياً» مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قبل أن يعقد معه لقاءً ثنائياً على هامش القمة، أشاد خلاله الرئيس الأميركي بعلاقاته مع نظيره الروسي، واصفاً إياها بأنها «جيدة جداً»، قائلاً إنه «شرف كبير لي أن أكون مع الرئيس بوتين». ودٌّ قوبل بدعوة وجّهها بوتين إلى نظيره الأميركي لزيارة روسيا في أيار/ مايو 2020 لمناسبة الاحتفالات بالذكرى الخامسة والسبعين للانتصار على الفاشية، وتلقّفها ترامب بـ«إيجابية»، وفق الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف.
ويُنتظر أن تبحث القمة ملفاً شائكاً آخر هو المناخ، إذ ترفض الولايات المتحدة أيّ حديث عن الاتفاق المناخي الموقّع في باريس، كما يرفض قادة آخرون على غرار الرئيس البرازيلي، جايير بولسُنارو، أيّ انتقاد غربي لسياساتهم البيئية، وهو ما سيصعّب «تحقيق اختراق» في هذا الملف، وفق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس. هذا القلق انسحب على الموقف الفرنسي، إذ أكد مقربون من الرئيس إيمانويل ماكرون، أن ملف المناخ سيكون «الأكثر صعوبة» في القمة. وقالوا إن الأميركيين يعتمدون موقفاً «متشدّداً جداً»، ويسعون إلى «استقطاب دول أخرى» و«تخفيف لهجة البيان» الختامي للقمة، معربين عن خشيتهم من أن تتمكّن واشنطن من استمالة البرازيل وتركيا والسعودية.