لم يعد الحديث عن التحدي الاقتصادي والمالي الذي تواجهه إسرائيل مجرد تقديرات تتصل بالمستقبل القريب أو البعيد، كما لم يعد القلق من تفاقم العجز، وأثره على الموازنة الأمنية التي تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى رفعها مجدداً بفعل تكاثر التهديدات الإقليمية، مجرد مخاوف لخبراء اقتصاديين أو مؤسسات دولية. فقد دفع الارتفاع السريع في نسبة العجز، وزارة المالية، إلى اقتراح إجراءات مستعجلة تتضمن تقليص النفقات، وفرض ضرائب، بهدف المحافظة على نسبة عجز دون 4% من الناتج المحلي (حوالى 54 مليار شيكل)، علماً بأن هذا الرقم نفسه يفوق ما خططت له الحكومة من نسبة تقارب 2.9% (41 مليار شيكل). اللافت أنه ما إن تم الإعلان عن اقتراح «المالية»، حتى بادر رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو إلى الموافقة عليه، قائلاً إن «الحكومة ستصادق على اقتراح تقليص نفقات وزارات، ورفع ضرائب تؤدي إلى توفير 3.25 مليارات شيكل». إجراءات تقدّر وزارة المالية أن يصل العجز بعدها إلى 3.8%، فيما حاول نتنياهو طمأنة الجمهور بالتذكير بـ«(أننا) سبق أن واجهنا نسب عجز أكبر من ذلك».

ومع أن تقليص نسبة العجز يتطلّب الحدّ من النفقات، إلا أنه ستتم في الجلسة نفسها المصادقة على منح مليار شيكل إضافية للمؤسسة الأمنية. يأتي ذلك في وقت يشتد فيه السجال بين وزارة المالية والجيش على هذه الخلفية، إذ تطالب «المالية» بتقليص بعض نفقات الجيش، وتقصير مدة الخدمة الإلزامية بما لا يؤثر على قدرات العسكر وجاهزيته للحرب. تنطلق الوزارة، في مطالبها، من تقديرات اقتصادية تتصل بمستقبل النمو في إسرائيل، من بينها التقرير السنوي لـ«بنك إسرائيل» الذي أشار إلى أن معدل النمو الاقتصادي السنوي من عام 2000 إلى عام 2016 كان في حدود 3.3% سنوياً، متوقعاً هبوط هذه النسبة إلى 2.7% سنوياً حتى عام 2035. وهو معدّل يقارب الركود الاقتصادي، على اعتبار أن نسبة التكاثر السكاني السنوية هي في حدود 2%، وهي الأعلى بين الدول المتطورة. في المقابل، يطالب الجيش بتقصير فترة اتفاق الميزانية الذي أُبرم بين وزارة المالية والجيش خلال فترة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، بهدف وضع ما هو أكثر ملاءمة لـ«الجيش ومفهومه العسكري في السنوات المقبلة» في ظلّ مستجدات البيئتين الاستراتيجية والعملانية. مع ذلك، فإنّ كلاً منهما (المالية والجيش) ينتظر نتائج الانتخابات المرتقبة في أيلول/ سبتمبر المقبل، لمعرفة هوية رئيس الحكومة ووزير المالية القادمين.

عقيدة نتنياهو وخطة كوخافي تكشفان نظرتهما إلى التهديدات المحيطة بإسرائيل


صحيح أن السجال بين وزارتَي المالية والأمن بات جزءاً من المشهد السياسي التقليدي في إسرائيل، إلا أن الميزانية المقبلة تمثّل تحدياً مختلفاً عن العديد من المحطات السابقة، انطلاقاً من التقديرات الاقتصادية المتشائمة إزاء النمو وارتفاع العجز. في هذا الإطار، ترى «المالية» أن أي مبالغ إضافية لمصلحة الميزانية الأمنية تعني خطوة إلى الوراء على مستوى النمو، منبّهة إلى أن نسبة الميزانية الأمنية من الميزانية العامة الإسرائيلية هي الأعلى بين الدول الغربية، بينما ميزانيات التربية والتعليم والصحة والرفاه أقلّ بكثير مقارنة مع الدول الغربية. لكن في المقابل، يجب عدم إغفال حقيقة أن ما يستند إليه نتنياهو، في مطالبته بزيادة بنسبة 0.2% إلى 0.3% كل سنة خلال العقد المقبل، أي ما يقارب 40 مليار شيكل على مدى عشر سنوات، إنما هو التطور الذي سجّله الاقتصاد الإسرائيلي خلال العقود الماضية، وصولاً إلى ما هو عليه الآن. يحاجج نتنياهو، وفقاً لما نقل عنه موقع «كالكاليست»، بأن «الاقتصاد الإسرائيلي قوي اليوم بما فيه الكفاية كي يتحمّل هذه الزيادة. في العشرين سنة الأخيرة، نمّينا اقتصاداً حراً بهدف تمويل احتياجات الدولة، وعلى رأسها الأمن». وما يدعم هذه الرؤية، أن نسبة الموازنة الأمنية من الناتج المحلي انخفضت خلال نحو 45 عاماً (بحسب موقع غلوبس الاقتصادي) من 31% عام 1973، إلى 21% عام 1979، إلى 11% عام 1991، إلى 7.6% عام 2003، إلى 5.4% عام 2018، فيما كانت هذه النسبة بالإجمال في مسار تصاعدي منذ عام 1948 حتى عام 1975.
مع ذلك، تحذر أصوات اقتصادية إسرائيلية من تلبية مطلب نتنياهو باقتطاع مبالغ محدّدة لمدة عشر سنوات لصالح عقيدته الأمنية ــ 2030. وفي هذا الإطار، حذّر «بنك إسرائيل» من أن اقتراح نتنياهو لا ينسجم مع مخطط تقليص العجز، ومع قرارات الحكومة توسيع الخدمات الاجتماعية وخطط الرفاه والاستثمارات في البنى التحتية، وأيضاً قرارها عدم زيادة نسبة الضرائب. كذلك، خفّضت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) توقعاتها لمعدل نمو الاقتصاد الإسرائيلي إلى 3.1 في المئة في 2019، و3.2 في المئة في 2020، في ما يمثل تراجعاً عن توقعات سابقة. وعلى هذه الخلفية، دعت المنظمة الحكومة الإسرائيلية المقبلة إلى اتخاذ خطوات لخفض النفقات وزيادة الإيرادات، من أجل تحقيق الأهداف المالية (معالجة العجز، والإنفاق الحكومي)، وتوجيه الموارد اللازمة للاستثمار في البنية التحتية والتعليم والنمو العام.
وينبع القلق في الأوساط الاقتصادية من أن يؤدي تراجع نسبة النمو، وارتفاع نسبة العجز، إلى تخفيض التصنيف الائتماني لإسرائيل، وبالنتيجة ارتفاع الفائدة التي ستدفعها الأخيرة عن ديونها. والمشكلة الإضافية، بالنسبة إلى إسرائيل، أن كل ذلك يجري بالتزامن مع الحرب التجارية التي تتطور بين الولايات المتحدة والصين، والتي يمكن أن تؤثر سلباً على الصادرات الإسرائيلية (التي تمثل عاملاً أساسياً في النمو)، وأيضاً مع زيادة التهديدات في محيط إسرائيل، والتوترات الأخيرة في منطقة الخليج (والتي تتطلب المزيد من النفقات الأمنية). وهو ما يعني، بالنتيجة، المزيد من التراجع في نسبة النمو، والمزيد من الارتفاع في نسبة العجز.
على رغم ما تقدم، يبقى ثابتاً، أياً كانت التحديات الاقتصادية ومهما علت السجالات الداخلية، أن الكلمة الأخيرة ستكون لمصلحة الجيش وبقية الأجهزة الأمنية، التي تعكس مطالبة نتنياهو بزيادة ثابتة لها، إلى جانب متطلبات «خطة كوخافي (رئيس الأركان الجديد)» المالية لرفع جاهزية الجيش، تقديرات المؤسستين السياسية والأمنية لحجم التهديدات المحدقة بإسرائيل. وهي تُظهر منسوباً من التشاؤم إزاء إمكانية تفادي هذه المخاطر في المدى المنظور، بما ينطوي على إقرار ضمني بمحدودية الرهان على نجاح الخيارات التي تنتهجها واشنطن وتل أبيب في مواجهة محور المقاومة، وعلى رأسه إيران.