لم تكشف واشنطن بعد عن كيفية تعاملها مع عملية خليج عمان، واكتفت بالتحشيد الأمني والسياسي، متوعّدة بكشف المزيد من الأدلّة واتخاذ إجراءات. في الأثناء، زادت واشنطن من اتهاماتها لطهران عبر دعوى ضلوع الأخيرة في محاولة استهداف إحدى طائراتها، وهو ما التزمت إيران الصمت حياله، في وقت أعلنت فيه استعدادها لخطوات إضافية اليوم تخفيفاً للالتزام بالاتفاق النووي.

تنكبّ واشنطن على ملء مرافعتها ضد طهران، وتدسيم لائحة الاتهامات، واعدة بإجراءات «دبلوماسية وغير دبلوماسية» لم تكشف عنها. آخر هذه الاتهامات الإعلان رسمياً عن محاولة إيرانية لإسقاط طائرة أميركية بلا طيار أثناء الهجوم الأخير على ناقلتَي النفط في خليج عمان. اتهام تكمن خطورته في أنها المرّة الأولى، منذ تصاعد حدة الخلاف بين طهران وواشنطن، التي تعمد فيها الأخيرة إلى اتهام الإيرانيين بالإقدام على مهاجمة قواتها بصورة مباشرة، وهي التي سبق وأعلنت أنها ستردّ على أي استهداف إيراني لمصالحها في المنطقة. في الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة في استقطاب الحلفاء والأصدقاء للانضمام إلى التحرّك التصعيدي الذي يضعونه في إطار الرد على عملية خليج عمان. عملية جدّد الإيرانيون نفيهم للمسؤولية عنها، فيما كانت الحكومة الإيرانية تستدعي السفير البريطاني لدى طهران تنديداً باتهامات لندن بضلوع الحرس الثوري في الهجمات. في المقابل، حسم وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، المسؤولية الإيرانية وراء العملية، بدعوى أن «أجهزة المخابرات لديها الكثير من البيانات والكثير من الأدلة»، واعداً بأن «العالم سيرى الكثير منها».
تحيل هذه التطورات المراقبين إلى طبيعة الرد الأميركي المتوقّع. وإذ تبدو واشنطن حريصة على ضبط تحرّكها في الإقليم، بقي الاتهام باستهداف الطائرة الأميركية مبهم الوجهة مع عدم إعلان الالتزام بالرد. وفي هذا الإطار، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن طهران حاولت إسقاط طائرة مسيّرة أميركية من نوع «MQ 9» فوق خليج عمان، بواسطة منظومة إيرانية محدّثة من طراز «SA 7»، وذلك في مسعى لعرقلة عمليات الاستطلاع والمراقبة لهجوم الخميس الماضي على ناقة «كوكوكا كاريدغس»، إحدى السفنتين المستهدفتين، إلا أن الصاروخ، وفق الرواية الأميركية، حاد عن الهدف. كما اتهم البنتاغون إيران بمساعدة حركة «أنصار الله» اليمنية في إسقاط طائرة من الطراز نفسه.

ابن سلمان: المملكة لا تريد حرباً في المنطقة


على الأرض، تشهد منطقة الخليج استنفاراً واسعاً، انضمّت فيه بريطانيا إلى الولايات المتحدة والسعودية دوناً عن باقي الدول الأوروبية وأعضاء «الناتو»، عبر إرسال 100 من مشاة «البحرية الملكية» من الوحدة «42 كوماندوز» إلى المنطقة، وفق ما كشفت عنه صحيفة «التايمز» البريطانية، وذلك بحجة حماية سفنها الحربية والتجارية. في الأثناء، كانت طائرات سعودية وأميركية من نوع «ف 15 سي»، تساندها طائرات أخرى للتزويد بالوقود جواً، تجري تحليقاً في تشكيل مشترك فوق منطقة الخليج، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السعودية عن مصدر سعودي. وهو مسعى ظهر كمحاولة لإعادة التوازن من خلال رسالة «ردع وجهوزية» للضفة الأخرى من الخليج، لا تبتعد عن سياق الابتزاز الأميركي للرياض والذي من المتوقّع أن يتصاعد على ضوء التوتر مع مشروع تسيير سفن حربية لحماية السفن التجارية.
على هذه الخلفية، خرج ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أمس، في مقابلة مع صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، بدا فيها ملتزماً السقف الأميركي للمواجهة. ودعا ابن سلمان المجتمع الدولي إلى اتخاذ «موقف حازم» من هجمات إيران، وأكد أن «المملكة لا تريد حرباً في المنطقة، ولكننا لن نتردد في التعامل مع أي تهديد لشعبنا وسيادتنا ومصالحنا الحيوية»، مجدداً تأييده إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران. وفي المواقف الأميركية، كرر بومبيو أن واشنطن لا تريد الحرب، لكنها ستواصل «اتخاذ إجراءات تمنع إيران من الانخراط في هذا النوع من السلوك». وشدد على أن بلاده ستتخذ «كل الإجراءات الضرورية الدبلوماسية وغير الدبلوماسية» لضمان المرور الآمن عبر ممرات الشحن الحيوي، من دون أن يوضح ما هي الخطوات الأميركية المرتقبة.
على المقلب الإيراني، يستمرّ التصعيد السياسي بوجه الحملة الأميركية. وكشفت وسائل إعلام إيرانية، أمس، أن منظمة الطاقة الذرية ستعلن اليوم خطوات تمهيدية لتقليص الالتزام بالاتفاق النووي في موقع آراك للمياه الثقيلة. إلا أن هذه الخطوات الضاغطة باتجاه إجبار الأوروبيين على البقاء في الاتفاق النووي، تترافق واستمرار العملية التفاوضية بين الطرفين. وفي هذا الإطار، علّقت الأمينة العامة لخدمة العمل الخارجي في الاتحاد الأوروبي، هيلغا شميد، التي ساعدت في مفاوضات الاتفاق في 2015، على زيارتها لطهران الأسبوع الماضي، مشيرة إلى أنها ناقشت جهود الاتحاد «للعمل على مواصلة التجارة المشروعة مع إيران بما في ذلك تفعيل قناة التبادل المالي، إنستكس».