على هامش الاشتباك الأمني والسياسي، وفي ظلّ الموقف الإيراني الواضح برفض التفاوض وفق الشروط الأميركية الحالية، يفرض الاستحقاق الاقتصادي نفسه في طهران. لدى الأخيرة، ومنذ عام، مواجهة استثنائية واسعة تحتّمها ضراوة العقوبات التي لا يتوقّف مسلسلها، قوامها تفعيل أدوات للتحدّي، بموازاة إحداث تغييرات جوهرية في البنية الاقتصادية الداخلية.

على رغم استمرار التوسع الأميركي في العقوبات المفروضة على إيران، فإن الأخيرة لا تزال تصرّ في مواقفها العلنية على «الصمود» وعدم الرضوخ للضغوط الأميركية، مؤكدةً على لسان رئيسها، حسن روحاني، أثناء استقباله وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، أنها «لم ولن تواجه طريقاً مسدوداً بسبب العقوبات المفروضة عليها». هذا الاطمئنان الإيراني الذي بدا في تصريح روحاني، يرتكز، بحسب المحلل السياسي الإيراني عباس خامه يار، إلى «المؤهلات والمقومات الكثيرة الموجودة في جعبة طهران، والتي تمكّنها من التمسك بشروط التفاوض الخاصة بها». وهي مقوّمات تظهر، وفقاً للمهتمّ بالاقتصاد الإيراني تامر بدوي، في «سعي طهران إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط»، الأمر الذي أكده خامه يار أيضاً، عندما بيّن لـ«الأخبار» أن «الموازنة الإيرانية السنوية قلّصت اعتمادها على النفط ليصل إلى نسبة 25 % من إيرادات الموازنة»، مضيفاً أن «الصادرات غير النفطية المنتجة في المصانع الاستراتيجية الإيرانية أصبحت تأخذ منحى تصاعدياً خلال الأشهر الماضية مقارنة بنظيراتها في العام الماضي، ما جعلها تأخذ حيزاً كبيراً في موازنة البلاد السنوية». لكن بدوي، من جهته، يرهن في حديثه إلى «الأخبار» نجاح تلك السياسة الاقتصادية بـ«القدرة على ضخ رؤوس الأموال»، إلى جانب «تعزيز الاندماج مع دول الجوار وفقاً لما تعمل عليه إيران حالياً مع كل من العراق وتركيا». ويلفت إلى أن «هذا الخيار الاقتصادي هو الأقل كلفة على طهران، خصوصاً أن هناك صعوبات جمّة تعتري طريق تهريب النفط، فضلاً عن عمليات الفساد الناشئة من هذا الطريق، والتي تؤثر سلباً على الاقتصاد الإيراني».

أسّس قبل 10 سنوات «صندوق التنمية» وخصّصت له 34 % من عوائد النفط


إلى جانب الرهان على ما بات معروفاً من خطط لبيع النفط في السوق الرمادية، وإشراك القطاع الخاص في هذا الملف لكسر الهدف الذي وضعته واشنطن، أي تصفير الصادرات النفطية، يبرز «صندوق التنمية الوطنية الإيرانية» كإحدى أوراق المقاومة الاقتصادية المرشّحة للاستمرار طيلة فترة العقوبات غير المعروف أمدها. أسّست إيران هذا الصندوق قبل 10 سنوات، وخصّصت له ما يقارب 34% من عوائد الصادرات النفطية في البلاد، معلنةً أنه سيكون ذخراً ورصيداً للأجيال الإيرانية المقبلة، كما أن صرف الأموال منه لا يتم إلا عبر المرشد الأعلى، وفقاً للتصويت الذي أقرّ به البرلمان الإيراني إنشاءه. واستناداً إلى بعض التقديرات، فإن الصندوق يحتوي حالياً على أكثر من 100 مليار دولار أميركي. وقد كانت آخر عملية سحب للأموال منه قبل 4 أشهر، حينما أوعز المرشد علي خامنئي بصرف 1.5 مليار دولار من أموال صندوق التنمية على تعزيز البنية الدفاعية للبلاد، لكنه في الوقت ذاته رفض لجوء الحكومة إلى الصندوق في عملية تعويضها خسائر السيول التي اجتاحت بعض المحافظات الإيرانية أواخر شهر آذار الماضي، داعياً الرئيس روحاني بداية إلى «محاولة توفير تكلفة الأضرار من الأرصدة والموارد الأخرى»، واعداً بأنه «في حال تعذّرت القدرة على التغطية من المصادر الأخرى فإنه سيوافق على هذا الطلب». مع اشتداد العقوبات الأميركية على إيران، عادت الأنظار الحكومية مجدداً إلى صندوق التنمية الوطني، وفي هذا الإطار يقول عباس خامه يار إن «الضغوط الأميركية المتزايدة على إيران، لربما تضطرها إلى الاستفادة من الصندوق». وفي حال تم ذلك، فإن تامر بدوي يُرجّح أن «يساعد السحب في التغلب على بعض صعوبات التمويل الناشئة في بعض القطاعات الإيرانية».
بين أوراق الصمود في وجه الإجراءات الأميركية، تحضر «حالة الاكتفاء الذاتي التي تعيشها البلاد في ما خص المواد الغذائية الأساسية»، وفقاً لما يقوله عباس خامه يار، الذي يذكّر بأن «إيران تُصدّر الكثير من المواد الغذائية الأساسية لأنها تنتج تلك المواد بنسبة تفوق الاستهلاك المحلي». وفي هذا الصدد، تنقل صحيفة «آفتاب اقتصادي» الإيرانية عن عضو اللجنة الزراعية في البرلمان الإيراني، علي إبراهيمي، تأكيده أن «إيران تستطيع إنتاج ثلاثة ملايين طن من لحم الدجاج، بينما يحتاج السوق الداخلي إلى مليونين فقط»، وبناءً على ذلك، يرى بعض البرلمانيين الإيرانيين، وفقاً للصحيفة ذاتها، أن «هذه القدرة الإيرانية على إنتاج لحوم الدجاج بالتوازي مع رفع الجمرك لصادرات الدواجن»، من الممكن أن يجعلا هذا القطاع واحداً من البدائل الوازنة لتراجع صادرات النفط. وفي الإطار نفسه، تعطي صحيفة «طهران تايمز» مثالاً آخر على قدرة اختراق الأوضاع السلبية وكسر الحظر، متمثلاً في استعداد 160 شركة أجنبية للانضمام إلى المعرض الدولي للزراعة والغذاء الذي تقيمه طهران في الـ18 من الشهر الجاري.
وبحسب عباس خامه يار، فإن الثروة البشرية والأيدي العاملة التي تمتلكها إيران قادرة على تحقيق نقلات اقتصادية نوعية من هذا القبيل. وهو يشير، فضلاً عن أرقام هذه الثروة وثقافة البلاد، إلى «التجربة الكبيرة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية في الماضي والحاضر»، والتي برأيه تستطيع أن «تمنح إيران قدرة غير متناهية على الصمود، بمثل تلك القدرة التي أظهرتها في مواجهة الضغوط السياسية والعسكرية والثقافية كافة التي مورست عليها طوال أربعين عاماً من عمر الثورة».: