لم تخرج المفاوضات الائتلافية التي يجريها رئيس حكومة العدو المكلّف، بنيامين نتنياهو، مع حلفائه في معسكر اليمين عن التقليد الإسرائيلي المتبع في مثل هذه الحالات، لناحية رفع السقف، أو استغلال ضغط الوقت، أو لعبة حافة الهاوية. فالحكومة السابقة اتُّفق عليها في الدقائق الأخيرة قبل انتهاء الوقت الرسمي المسموح. والآن تتكرر التكتيكات نفسها. الجميع يرفع السقف، ولا يعني ذلك أنه لا توجد خلافات حقيقية وعميقة، بل هي موجودة فعلاً، لكن تبقى كلمة الفصل لمصلحة اليمين كجماعة بأن يبقى مسيطراً على الحكومة.

مشكلة نتنياهو في هذه الولاية من الكنيست أنه لم يحقق غالبية 61 عضو كنيست من دون حزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة أفيغدور ليبرمان، على عكس ما حدث في الولاية السابقة عندما تمكّن من تشكيل الحكومة دونه، إلى أن التحق ليبرمان في السنة التالية بعدما شعر بأن هناك مسعى لإدخال «العمل» إلى الائتلاف. أما الآن، فنال المعسكر نفسه 65 مقعداً، من ضمنها خمسة لحزب ليبرمان، وهو ما ضيَّق المناورة على الجميع، بمن فيهم داخل «إسرائيل بيتنا» أنفسهم الذين لا يستطيعون التسبب بسقوط نتنياهو واليمين عن الحكم.
يحضر لدى الأطراف جميعاً سابقتان في التاريخ الإسرائيلي سبّبت فيهما الخلافات داخل اليمين إجراء انتخابات مبكرة أدت إلى فوز «العمل» بالحكومة. المرة الأولى حصلت عندما كان يترأس إسحاق شامير «الليكود» وأدت الخلافات داخل اليمين إلى انتخابات مبكرة في 1992، فاز في أعقابها إسحاق رابين على رأس «العمل». وفي المرة الثانية، تكرر الخلاف داخل المعسكر نفسه وأدى إلى انتخابات مبكرة في 1999، وتكرر فيها سقوط «الليكود» برئاسة نتنياهو، وفاز بموجبها إيهود باراك برئاسة الحكومة.
في ظل هذه الأجواء، جرت وتجري المفاوضات الائتلافية ومحورها الرئيسي موقف ليبرمان الذي يملك مفتاح تشكيل الحكومة. فبعد تجاذبات ورسائل متبادلة، عُقد لقاء مطول مساء أول من أمس بين نتنياهو وليبرمان توصل فيه الطرفان إلى اتفاق مبدئي يتسلم بموجبه الأخير منصب وزير الأمن في حال انضمامه إلى الائتلاف. يجسد هذا الاتفاق حدوث تقدم حقيقي قبل أقل من أسبوع على نهاية المدة القانونية، وبعدما كانت الإيحاءات بأن شركاء نتنياهو لن يتوصلوا إلى اتفاق، لكن الواقع أن ما جرى ويجري ما زال تحت سقف اللعبة الداخلية.
في كل الأحوال، يتصل التقدم الذي تحقق بمطالب ليبرمان في إدارة حقيبة الأمن، كما نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إذ تمت الموافقة عليها بموجب «خطوط أساس» تتصل بحركة «حماس» في غزة، حتى لا تتكرر السجالات التي أدت إلى استقالة ليبرمان من المنصب نفسه سابقاً. ووفق التقديرات المتداولة من المتوقع أن يحصل «إسرائيل بيتنا»، أيضاً على وزارة الهجرة. مع ذلك، لفتت الصحيفة إلى أنه برغم التفاهمات، لم تتم تسوية الخلافات بين نتنياهو وليبرمان كلها، ولا سيما القضايا الأساسية المرتبطة بقانون التجنيد وموضوع الدين والدولة، إضافة إلى خلافات حول ممثل «إسرائيل بيتنا» في لجنة الداخلية في الكنيست.
في غضون ذلك، أكدت تقارير إعلامية إسرائيلية أن ليبرمان اجتمع مع رئيس أركان الجيش، بتصديق من نتنياهو، وأجرى محادثات مع قادة الأجهزة الأمنية، من ضمنهم رئيس «الشاباك»، وهو ما يؤشر على أن عودة ليبرمان إلى وزارة الأمن باتت أمراً محسوماً. وعلى خط موازٍ، عمد نتنياهو في الأيام الأخيرة إلى تسريع وتيرة لقاءاته مع رؤساء الأحزاب، وتوصل إلى تفاهمات في القضايا المركزية مع حزب «شاس» الحريدي. وفي المقابل، توصف المحادثات مع «يهدوت هتوراه» بأنها أكثر تعقيداً.
من جهة أخرى، أعلن المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، تأجيل جلسة الاستماع إلى رئيس الحكومة، نتنياهو، حتى الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. يأتي ذلك، بعدما كان الموعد السابق في العاشر من تموز/ يوليو المقبل. وكان نتنياهو قد طلب تأجيله لسنة بذريعة حجم مواد التحقيق، لكن المستشار القضائي وافق جزئياً على الطلب الذي قدمه عبر محاميه، مشيراً إلى أنه لا يوجد ما يبرر هذا التأجيل الطويل. وقال مندلبليت إنه قرر الاستجابة لطلب تأجيل جلسة الاستماع ثلاثة أشهر أخرى زيادة على ثلاثة سابقة أعطيت له، وهي أصلاً زيادة على الجدول الزمني المحدد في التعليمات. ورأى المستشار أنه لا يوجد ما يبرر تأجيل الجلسة لعام، وفق طلب نتنياهو، كذلك إن التأجيل «يمس بالمصلحة العامة في اتخاذ القرار في الملف في أقرب وقت ممكن». يشار إلى أن نتنياهو متهم بتلقي الرشوة في «ملف 4000»، وبالاحتيال وخيانة الأمانة في «الملف 1000» و«2000».