يوم 15 أيار الجاري، أعاد مجلس الشيوخ الفرنسي صياغة مشروع القانون الخاص بالمدرسة، وأدخل ــــ على الضدّ من رأي الحكومة ــــ تعديلاً يكرّس منع ارتداء الحجاب لِمَن يرافقن التلامذة إلى المدرسة. ويعكس هذا التعديل، الذي أثار سجالات، التوسيع المستمر لمفهوم «احترام العلمانية»، والذي بات يرقى إلى مستوى القداسة. لم يقف وزير التعليم، جان ميشيل بلانكي، هذه المرة، خلف الحملة حول موضوع ارتداء الحجاب والتبشير الديني في المدارس، واعتبر الإجراء القانوني «غير بنّاء»، بعد التأويلات الليبرالية التي قدمها مجلس الدولة في السنوات الماضية. لكن «الحكماء»، أي أعضاء مجلس الشيوخ، عازمون على إصدار قوانين أكثر تشدداً وتمييزاً حيال النساء المسلمات ودورهن في الحياة المدرسية لأطفالهن. إجراءات منع النساء اللواتي «يشهرن قناعاتهن الدينية» من المشاركة في الرحلات المدرسية مع أطفالهن، أسالت الكثير من الحبر. إذ إنها تشكل استكمالاً لمأسسة التمييز الذي تفاقم بعد مرسوم شاتيل (الذي يساوي عملياً بين أهالي التلامذة ومتطوّعي القطاع العام بالنسبة الى سريان مبدأ العلمانية عليهم)، في مواجهة محاولة القضاء الإداري مقاومة مثل هذه الإجراءات.

في أيلول 1989، ورداً على قرار تعسّفي لمدير مدرسة قضى بفصل طالبات يرتدين الحجاب، أكد مجلس الدولة للمرة الأولى على «حرية الاعتقاد» و«حق ارتداء وحمل رموز دينية». وعند اللجوء إليها مجدداً في تموز 1995، اعتبرت هذه الهيئة، وهي أعلى سلطة قضائية في فرنسا، أن قرار منع ارتداء الحجاب، والفصل التلقائي للفتيات اللواتي يرتدينه، يتعارض مع مبدأ العلمانية؛ لأن أي رمز لا يمكن اعتباره تبشيرياً بذاته. لقد تم إصدار قانون آذار 2004، وهو يمثل قطيعة كاملة مع قانون 1905 الذي ينظم العيش المشترك، من أجل تجاوز هذا التأويل المفرط بالليبرالية بنظر «الحكماء». وكان أحد أهم خبراء هذه المسألة، والحاصل على ما يسمى مقعد العلمانية في فرنسا، جان بوبيرو، قد حلل في كتابه المرجعي، «العلمانية المزيفة»، التشويه السياسي لهذا المبدأ الذي ثبّته قانون 1905. «العلمانية الجديدة»، التي رُفعت إلى مصاف «دين دولة»، تنتهك حرية الاعتقاد عبر فرض حياد إلزامي على التلامذة، انطلاقاً من معايير تعسفية مرتبطة بزيّهم. النخب السياسية، وقطاع وازن من المثقفين الفرنسيين، حسب بوبيرو، عملوا على بلورة علمانية جديدة، هوياتية وشمولية، تزيّف مقاصد قانون 1905. وبعد الاعتراضات المتتالية للقضاء، يتصاعد الهجوم مجدداً.

يُقدَّم الانتماء إلى جماعة عضوية على أنه العقبة التي تمنع المدرسة من أداء مهمتها


الانتصار الجزئي الذي حققه المدافعون عن الفهم الليبرالي التاريخي للعلمانية عبر قرار مجلس الدولة في 23 كانون الأول 2013، الذي يعيد النظر في بعض مضامين مرسوم شاتيل، أدى إلى تعبئة عامة في صفوف خصومهم. مجلس الدولة كان قد رأى أن لا وجود لمفهوم المتطوع الظرفي مع القطاع العام، وبالتالي أهالي التلامذة الذين يرافقونهم لا ينطبق عليهم الحياد الديني الإلزامي، ومنع بعض الأهالي من مرافقة أبنائهم ينبغي أن يكون الاستثناء وليس القاعدة. جان ميشيل بلانكي، الذي أشرف على صياغة مشروع قانون «من أجل مدرسة ثقة»، تأثر هو الآخر بالتأويل المذكور الذي قدمه مجلس الدولة: «اعتقدْت طويلاً أن الذين يرافقون الأطفال من الممكن اعتبارهم متعاونين مع القطاع العام. ولكن مجلس الدولة أكد العكس. انطلاقاً من هذا المعطى، يصبح الأهل المرافقون لأبنائهم أصحاب حقوق ينبغي احترامها». ولكن، وبهدف التحوط من إمكانية تطبيق براغماتي للمبدأ، سعى أعضاء مجلس الشيوخ ليجعلوا من المنع قانوناً، ما يؤكد الانحراف نحو علمانية أيديولوجية. أحد المخاطر الناجمة عن هذا الأمر هو «التأثير السلبي على الحياة اليومية في مدارس الأحياء الشعبية» حسب أحد النواب الاشتراكيين.
على المستوى العملي، النص الذي تم تبنيه من اللجنة المشتركة المؤلفة من أعضاء في مجلس الشيوخ والبرلمان، والذي تضمن التعديلات المشار إليها سابقاً، والتي ستصبح سارية المفعول مع بداية العام الدراسي القادم، سيؤدي إلى إلغاء العديد من الرحلات المدرسية بسبب نقص عدد الأشخاص الراشدين المرافقين للتلامذة، وسيفضي أيضاً إلى عزلة متزايدة لنساء الأحياء الشعبية، ودفعهن الى الانطواء ضمن بيئتهن الدينية بسبب أصولهن.
في النقاش العام في فرنسا، يُقدَّم الانتماء إلى جماعة عضوية إثنية أو دينية على أنه العقبة الكأداء التي تمنع المدرسة من أداء مهمتها الفكرية والثقافية بالتشجيع على «الاندماج». عندما تتحول هذه الأخيرة إلى ميدان تُطبَّق فيه الإجراءات التمييزية، ويتعاظم فيه الشعور بالمهانة والظلم، وتتجلى فيه «الإسلاموفوبيا» بفجاجة باسم الحفاظ على مبدأ العلمانية المقدس، تكون قد فقدت وظيفتها بأن تكون فضاءً يعزز قابلية العيش المشترك، وتحوّلت إلى مختبر لفرض أيديولوجية هوياتية شمولية.