لم تتجاوز المنطقة بعدْ التوتر المخيّم منذ ارتفاع حدة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن المؤسسات الأميركية تشهد عملية فرز بين دعاة الحرب وعدم الراغبين في خوضها، بلغت حدّ تدخل الرئيس دونالد ترامب، للتعبير عن أن القرار بيده، وأنه لا يريد هذه الحرب. انحياز صريح أكده الرجل، بعد تزايد الجدل حول المعلومات التي تواصل وسائل الإعلام الأميركية تسريبها في شأن الخلافات حول ملف إيران داخل الإدارة، وصولاً إلى خلافات حول تقييم ما اعتُبر تهديدات إيرانية لمصالح أميركية في الشرق الأوسط، ما استدعى التحرك العسكري لواشنطن. وقد حاول ترامب أخيراً نفي الأنباء عن الخلافات داخل إدارته، على قاعدة أنه صاحب القرار الأخير بعد النقاشات. لكن حجم التسريبات في شأن موقف فريق المتطرفين، على رأسهم مستشار الأمن القومي جون بولتون، لم تعد ممكنة التغطية عليه، خصوصاً أن أغلب التسريبات تتقاطع عند انزعاج مسؤولين أميركيين من دفع بولتون باتجاه الحرب.

وتتضح يوماً بعد آخر المعلومات التي استندت إليها الإدارة الأميركية لتحريك حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وإرسال قاذفات إلى الخليج. ووفق معلومات صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فإن نشر الحرس الثوري صواريخ على زوارق تقليدية خشبية في مياه الخليج كانت من بين التهديدات التي استندت إليها إدارة ترامب لتبرير الانتشار العسكري. هذه المعلومات وغيرها لا تزال ضبابية لجهة تفسير سبب التأهّب العسكري الإيراني، لكن النقاش الأميركي لا يستبعد احتمال أن تكون هذه التحركات الإيرانية بخلفية دفاعية وتحسباً للتهديدات، وهو رأي «الأوروبيين والعراقيين وأعضاء الحزبين في الكونغرس وبعض كبار المسؤولين في الإدارة» بحسب «نيويورك تايمز»، إلا أن توجهاً آخر داخل الإدارة بدا مصراً على وضع المعلومات في إطار نوايا إيرانية لضرب المصالح الأميركية.

«واشنطن بوست»: الرئيس محبط وغاضب من بعض مستشاريه


ومن المقرر أن يُطلع مسؤولون في الاستخبارات، قادة الكونغرس، على التطورات في ملف إيران، وسط ضغوط من المشرعين على الإدارة لاعتماد الشفافية، ومطالبتهم إياها بتزويد كل النواب بكامل المعلومات حول ما يجري، كما شددت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. وفي رسالة مشتركة وجّهها أمس رؤساء ثلاث لجان في الكونغرس، إلى وزير الخارجية مايك بومبيو، ظهر اتهام واضح للخارجية بتسييس معلومات استخبارية حول إيران «عادة ما تكون موضوعية»، وأبدى الموقعون على الرسالة قلقهم حيال استغلال وتسييس المعلومات كون «تصرفات الإدارة في شأن إيران تعطي نتائج عكسية». إزاء كل ما يجري، خرج موقف ترامب بصورة أكثر عقلانية من السابق، عبر إبلاغه وزير الدفاع بالوكالة باتريك شاناهان، بأنه لا يريد خوض حرب مع إيران، وفق معلومات نشرتها «نيويورك تايمز» أمس، أشارت إلى أنها تعود إلى صباح الأربعاء. وقد عبرت بيلوسي عن ترحيبها بما اعتبرته عدم رغبة الرئيس في خوض صراع عسكري مع طهران.
ووفق تقدير شبكة «سي أن أن» الأميركية، فإن ميل ترامب نحو التعاطي الدبلوماسي بدا واضحاً بعد تصاعد التوتر، وتجلّى في لقائه الرئيس السويسري أولي ماورر، الذي تلعب بلاده دور الوسيط وممثل مصالح واشنطن في طهران، فيما لم تخرج بعد تفاصيل واضحة عن فحوى اللقاء سوى تطرقه للملف الإيراني. وانحياز ترامب هذا للدبلوماسية، على عكس بولتون وآخرين، أكدته «واشنطن بوست» هي الأخرى، في ما ينذر بخلاف مع بولتون لم يصل بعد حدّ الصدام داخل إدارة لا تعرف الاستقرار. وتضمّن تقرير «واشنطن بوست» تفاصيل حول موقف ترامب من سياسة مستشاريه حيال إيران نقلاً عن مصادر في الإدارة. وقالت المصادر إن الرئيس كان «محبطاً» من بعض مستشاريه الذين يدفعون البلاد نحو المواجهة العسكرية مع إيران، وخرق تعهده الانتخابي بالانسحاب من الحروب الخارجية المكلفة. كما كان ترامب «غاضباً» من ما رآه «تخطيطاً حربياً يتجاوز أفكاره الخاصة». وقال مسؤول كبير في الإدارة على علم بمحادثات ترامب وبومبيو وبولتون إن الرئيس «يريد الحديث إلى الإيرانيين، هو يريد اتفاقاً»، وهو منفتح على التفاوض مع الحكومة الإيرانية.
في المحصلة، يمكن الاستنتاج مبكراً أن فريق بولتون والجناح المنادي بإشعال المعركة عسكرياً تلقى أول انتكاسة لعملية إشعال التوتر، عبر مسارين تجلّيا بوضوح أمس: الأول حسم الرئيس خياره لصالح الدبلوماسية وعدم خوض حرب تعارض برنامجه الانتخابي في ما يتعلق بالتدخلات الخارجية، والثاني هو تعبير المؤسسات الأميركية عن رفض هذا الخيار وانتقادها صراحة هذا الفريق. وهي أخبار ستكون سارة لوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الذي يكرر تحذيره لترامب من «فريق الباءات الأربعة» (بولتون وبنيامين نتنياهو والمحمدان ابن سلمان وابن زايد). وأمس، ومن اليابان، ثاني محطة له في جولة آسيوية بدأها من الهند ويختمها في الصين، أكد ظريف أن بلاده تمارس «أقصى درجات ضبط النفس، على الرغم من حقيقة انسحاب الولايات المتحدة» من الاتفاق النووي، معتبراً أن التصعيد الأميركي «أمر غير مقبول ولا مبرر له». وحذّر ظريف من أن سياسة الحرب التي تتبعها «مجموعة المتآمرين ومفتعلي الحروب» ستكون بمثابة «انتحار سياسي»، وأضاف عقب لقائه نظيره الياباني أن طهران «لا تسعى إلى المواجهة، لكنها لطالما دافعت بقوة عن مصالحها، والآن تواصل العمل ذاته».