كما كان متوقعاً، مُنح رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، 14 يوماً إضافياً لتأليف حكومته المقبلة، بعد موافقة الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، على تمديد التكليف. على نتنياهو، خلال هذه الأيام (حتى الـ 28 من الشهر الجاري)، إنهاء مشاوراته الائتلافية في مهمة تبدو شاقة، وسط تناقض مطالب شركائه، وعدم استطاعته في الوقت نفسه الاستغناء عن أيٍّ منهم.

تمديد مهلة التكليف بات تقنياً وغير استثنائي في الكيان الإسرائيلي، لكنه كان مطلوباً لدى نتنياهو خاصة كجزء لا يتجزأ من أوراق تفاوضه مع الأحزاب المرشحة للانضمام إلى حكومته، إذ إنه بذلك يكبح احتمال إفراطها في الشروط الصعبة؛ لأنه مع انتهاء المهلة القانونية الإضافية، يبرز خطر إمكانية الذهاب من جديد إلى انتخابات مبكرة قد تقصي عدداً من الأحزاب اليمينية التي كادت تسقط في الانتخابات الأخيرة. وهذه الورقة يُمكنه التلويح بها مقابل الضغط الممارَس من قَِبل شركائه.
يتجه نتنياهو نحو تأليف حكومته المقبلة من أحزاب يمينية ويمينية متطرفة، وأخرى دينية تشكل ائتلافاً من 65 عضواً من أصل 120 في الكنيست. وهذا يعني أن خروج أي منها من الحكومة سيؤدي إلى سقوط الأخيرة، والنتيجة أن الحكومة ستكون عرضة للابتزاز والمناورات السياسية ومحاولة فرض الإرادات والمصالح المتعارضة بين مكوناتها، مع لا استقرار دائماً يرجح أن يؤدي في نهاية المطاف، قصرت المدة أو طالت نسبياً، إلى انتخابات مبكرة.
مهمة نتنياهو الشائكة تتعلق بحلّ تضارب المصالح بين أطراف الائتلاف المقبل، من دون إبعاد أي منهم، وهي مصالح تبدأ بالشخصية لإعلاء المكانة بين جمهور الناخبين وترميمها بعد تراجعها، عبر التمسك بالسقوف العالية حتى اللحظة الأخيرة، كما هي حال وزير الأمن السابق، أفيغدور ليبرمان، الذي يشترط تولي وزارة الأمن وتجنيد الحريديم في صفوف الجيش وسلّة مطالب تتعلق بشؤون استيعاب المهاجرين، فيما تصل هذه المصالح لدى عدد من الأحزاب، الدينية تحديداً، إلى مطالب أيديولوجية يصعب تخطّيها، كما هي حال حزبَي «شاس» و«يهودت هاتوراه»، الرافضَين لتجنيد الحريديم وعمل المواصلات يوم السبت وغيرها. لعبة الشروط والشروط المضادة تبدو للوهلة الأولى مستعصية على الحل، رغم أن فشل حلّها سيؤدي إلى خسارة الجميع.

يعمل نتنياهو على إعادة تفعيل قانون يمنح الحصانة لعضو الكنيست


يضاف إلى ذلك أن هناك عوائق تتعلّق بتوزيع الحقائب بين أعضاء الائتلاف، حتى لو جرى العمل على سنّ قانون في الكنيست الجديد ــــ فور انعقاده ــــ من شأنه زيادة عدد الوزراء لتسهيل عملية التوزيع، علماً بأن المشكلة «الليكودية» الداخلية في هذا الإطار، تبدو المناورة إزاءها أسهل قياساً بالمشكلات خارج «الليكود»، وإن كان المستوزرون في حزب نتنياهو يتصارعون على الوزارات الدسمة ونيابة رئاسة الحكومة، كعامل مساعد لتولي المسؤولية الأولى في إسرائيل، في حال سقوط الرجل قضائياً.
هكذا، بات تأليف الحكومة الإسرائيلية المقبلة معركة حصانة نتنياهو نفسه، قبل أن تكون معركة توليف بين الشروط المتعارضة للأحزاب، على رغم أهمية هذه الأخيرة. وكما كانت الانتخابات الأخيرة للكنيست، من ناحية فعلية، انتخابات خيضت بين معسكرين اثنين: مع نتنياهو أو ضده، أكثر من كونها انتخابات بين معسكر يمين أو يسار ووسط، فالمعركة الآن هي معركة بقاء نتنياهو السياسي ومنع محاكمته، وهذا الاعتبار هو الذي يتحكم بأداء الرئيس المكلف والمقربين منه، قبل تأليف الحكومة المقبلة وخلاله وبعده.
على هذه الخلفية، يعمل نتنياهو على إدراج بند ائتلافي مع الأحزاب المشاركة في الحكومة المقبلة يقضي بسنّ قانون الحصانة لعضو الكنيست، كما كان معمولاً به قبل إلغائه عام 2005. وينص هذا القانون على أن عضو الكنيست يتمتع بحصانة تلقائية تمنع محاكمته طالما أنه عضو في الندوة البرلمانية. ومن أجل ذلك أيضاً، يعمل نتنياهو من الآن على منح «الليكود» 11 عضواً من «لجنة الكنيست» من أصل 17، علماً بأن هذه اللجنة هي المسؤولة عن نظام عام الكنيست وعمل الهيئة العامة وحصانة الأعضاء وإبطالها.
تحقيق هذه الغاية يفرض على نتنياهو التبادلية والخضوع لشروط ومطالب متطرفة جداً، من شأنها أن تؤدي أكثر إلى يمينية الدولة وقوننة «الأبرتهايد» فيها بصورة واسعة جداً، عبر الخضوع لسنّ قوانين في الكنيست كان يرفضها سابقاً كونها تؤذي صورة إسرائيل لدى الرأي العام الدولي، وخاصة أن معظم بنود هذه القوانين يُعمل بها من دون سنّها، وتحديداً ما يتعلق بالمساواة بين الإسرائيليين، والفصل العنصري، والكيل بمكيالين في الحقوق والواجبات، في دولة ليست لكلّ مواطنيها.
واحد من شروط الأحزاب اليمينية لإمرار قانون حصانة نتنياهو ومنع محاكمته هو تقليص دور «المحكمة العليا» بالحدّ من صلاحيتها وتدخلها في القرارات الصادرة عن الحكومة وقوانين الكنيست، عبر موازنتها مع المصلحة الإسرائيلية العليا وصورتها العامة ومصلحتها المبنية على رؤية غير ضيقة، مع إمكان الدفاع عنها للإبقاء على صورة «الدولة الديموقراطية». وتقليص دور «العليا» وتأثيرها يتيح للأحزاب اليمينية إمرار ما أمكن من قوانين متطرفة، وإن كانت واضحة وفجة في عنصريتها وفي تجاوزها أبسط حقوق الإنسان البديهية، وخاصة أن اليمين المتطرف يعتقد أن الفرصة باتت مؤاتية لفعل كل ما تريده إسرائيل الآن، مع صعوبة تلقي انتقادات مؤثرة في ظلّ الإدارة الأميركية الحالية، وتخلي العرب عن القضية الفلسطينية.
ما لم تحدث مفاجآت، المرجح أن تولد حكومة نتنياهو اليمينية ضمن المهلة القانونية قبل نهاية الشهر الجاري، مع تأمين حصانة لنتنياهو تمنع عنه المحاكمة في جرائم الرشى والفساد، مقابل تلبية دعوة اليمين المتطرف إلى مزيد من يمينية إسرائيل وعنصريتها، لتصبح دولة «أبرتهايد» مقوننة بلا أي مواربة أو شكليات.



دعوة إلى انتخابات مبكرة... تُقصي ليبرمان
من بين الضغوط البينية الهادفة إلى تخفيض السقوف المتقابلة للأطراف، تبرز الدعوة إلى انتخابات مبكرة جديدة لا يمكن ترجيحها في هذه المرحلة إلا بعد الفشل في تليين المواقف وتقليص تعارضها. على هذه الخلفية، دعا عضو الكنيست عن حزب «يهودت هاتوراه» الديني، إسرائيل إيخلر، إلى إجراء انتخابات مبكرة جديدة، متهماً رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، بعرقلة تأليف حكومة يمينية في إسرائيل. وقال إيخلر: «هناك شعور بأننا بتنا في حالة تعادل (بين اليمين واليسار بواقع 60 مقعداً لكلّ منهما)، بعد ضمّ ليبرمان (5 مقاعد) إلى اليسار، إذ يحاول عرقلة إقامة حكومة يمينية». وعلى هذه الخلفية، اقترح ما يمكن أن يهزّ الكراسي في الكنيست، بإعادة الانتخابات، «إذ يمكن ألا نقف على باب ليبرمان للتفاوض معه وأن يفرض آراءه على دولة كاملة».