أدقّ توصيف لقرار الولايات المتحدة إرسال حاملة الطائرات «يو اس اس أبراهام لينكولن» وقاذفات قنابل إلى الخليج، جاء على لسان المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كيوان خسروي، الذي أدرجه في إطار الحرب النفسية التي تشنّها على إيران. والواقع أن حرب واشنطن على طهران هجينة، وفق التعريف الذي بات معتمداً لنمط جديد من الحروب، يغلب فيه استخدام أدوات اقتصادية وتجارية ومالية وإعلامية ونفسية وسيبرانية، وقد تتضمن أيضاً اللجوء إلى عمليات تقوم بها القوات الخاصة أو قوى رديفة، بدلاً من المواجهة العسكرية الكبرى والمباشرة بين الأعداء. في عالم اليوم، تدور حروب هجينة عدّة بين قوى إقليمية ودولية متفاوتة الحدّة، وتستخدم فيها بعض أدوات هذه الحروب أو معظمها. فبين روسيا والولايات المتحدة، وبين الأخيرة والصين، تدور حرب هجينة منخفضة التوتر، أما بين واشنطن وطهران أو بينها وبين كراكاس، فإننا أمام حرب هجينة عالية التوتر. لكن اللجوء إلى الحرب الهجينة بدلاً من الحرب المباشرة، هو نتيجة لقناعة صنّاع القرار الأميركيين، أو بعضهم على الأقل، بأن الثانية ستكون باهظة الأكلاف بشرياً ومادياً، وبأنها قد لا تسمح بتحقيق الأهداف المبتغاة. مصادر واسعة الاطلاع في الولايات المتحدة قالت لـ«الأخبار» إن «ترامب من أنصار مدرسة تؤمن بإمكانية ربح الحروب من دون خوضها. وهو اليوم يحاول تطبيق هذه الفرضية في سياسته تجاه إيران، ويجزم بأنه سينجح في حملها على الاستسلام». لا يمنع هذا التقدير المصادر المذكورة من الإشارة إلى إمكانية وقوع مواجهة مباشرة نتيجة استفزاز ما، أو محاولة توريط يقوم بها طرف ثالث، تفضيان إلى سيناريو متدحرج لا تريده واشنطن ولا طهران.

بعد الحرب العالمية الثانية، من غير المبالغة القول إن جميع الحروب الكبرى التي خاضتها الولايات المتحدة انتهت إلى هزائم أو إخفاقات باستثناء الحرب على العراق، بحجة تحرير الكويت عام 1991. فالحروب على كوريا وفيتنام وكمبوديا ولاوس، وعلى أفغانستان، والحرب الثانية على العراق، كانت جميعها طويلة ومكلفة بشرياً ومادياً وذات نتائج كارثية على صورة واشنطن وسمعتها وزعامتها على الصعيد العالمي. وإذا كان وصول جثث الجنود الأميركيين في أكياس أيام حرب فيتنام قد خلق في أوساط الرأي العام في بلاد العم سام ما سمي «عقدة فيتنام»، فإن ما حصل بعد نحو ثلاثة عقود في أفغانستان والعراق، إثر غزوهما من قبل جيوش واشنطن وحلفائها، قد جدد وعمّق العقدة ضد التدخلات العسكرية الخارجية الباهظة الثمن. أي تحليل جدي للسياسة الأميركية عليه أن يأخذ بالحسبان هذا المعطى الثقيل، خصوصاً بالنسبة إلى رئيس كدونالد ترامب هاجسه الأول والأساسي هو كيفية تأمين شروط ملائمة لإعادة انتخابه. بحسب المصادر المطلعة، «هناك في الإدارة أشخاص كبولتون يريدون الحرب مع إيران، ولا يأبهون للحسابات الانتخابية أو السياسية الداخلية، لكنهم لا يستطيعون إلزام الرئيس بقناعاتهم». «ذي واشنطن بوست» ذكرت، في تقرير صدر خلال آذار/ مارس الماضي، أن ترامب قال لمستشاره للأمن القومي بولتون على سبيل المزاح، أن «لا يورط الولايات المتحدة في حرب». المؤكد أنّ ترامب، الذي تعارض غالبية قاعدته الانتخابية التدخلات العسكرية الخارجية، يسمح لمستشاريه ومعاونيه باللعب بالنار في ملف شديد الحساسية كملف إيران. لقد كان لبولتون دور مهم في إقناع الرئيس بإرسال حاملة الطائرات إلى الخليج، استناداً إلى معلومات إسرائيلية عن قيام طهران بالتحضير لعمليات ضد أهداف أميركية أو قوى حليفة لواشنطن في الخليج. وكان الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد قد كشف عبر «القناة 13» الإسرائيلية أن اجتماعاً عُقد منذ نحو أسبوعين في البيت الأبيض بين بولتون ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شباط، قدّم فيه الثاني هذه المعلومات، غير الواضحة بحسب رافيد، عن «هدف» أميركي أو خليجي تنوي طهران ضربه. برأي المصدر، «بولتون والإسرائيليون يتمنّون الحرب. هم يضغطون على الرئيس لدفعه نحو هذا الخيار. لا يمكن حتى أن نستبعد تماماً احتمال قيام طرف ثالث، إسرائيلي أو خليجي، بعمل استفزازي، مباشر أو غير مباشر، لافتعالها أو على الأقل لدفع إيران والولايات المتحدة إلى معركة ولو محدودة. هناك أيضاً احتمال وقوع حادث بين الطرفين في سياق تصاعد التوتر يقود إلى مواجهة مباشرة. احتمال السيناريو المتدحرج، من التوتر إلى فعل وردّ فعل، ومن ثم إلى مواجهة محدودة أو ممتدة، يبقى قائماً في جميع الساحات التي تشهد احتداماً للتوتر. ولكن الذهاب إلى حرب كبرى، وليس إلى معركة محدودة، أو عدمه، يرتبط دائماً بقرار سياسي». لا قرار سياسياً حتى الآن بالحرب مع إيران، على رغم التصعيد الأميركي المستمر ضدها، الذي شكل قرار وضع الحرس الثوري على قائمة الإرهاب، ومن بعده قرار تصفير إنتاج النفط الإيراني، انتقالاً إلى مرحلة جديدة منه. غياب هذا القرار مرتبط باعتقاد ترامب، وتيار وازن داخل الدولة العميقة يتقاطع معه بشأن هذا الموضوع، على الرغم من معارضته له في قضايا كثيرة أخرى، بأن الحرب الاقتصادية قد تكون أكثر جدوى، وبالتأكيد أقل كلفة، من تلك العسكرية. وهو يعتبر أن الحرب الاقتصادية مع إيران قد بدأت تعطي نتائج إيجابية من وجهة نظره. فعندما قررت إدارة بوش الابن غزو العراق عام 2003، واجه معارضة قوية من ألمانيا وفرنسا وروسيا. أما اليوم، وعلى الرغم من معارضة هذه البلدان لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وللعقوبات التي تفرضها على إيران، فإن الشركات الفرنسية، كـ«توتال» و«بيجو» و«إير فرانس»، والألمانية، قد سارعت لمغادرة هذا البلد، وحتى بعض الشركات الصينية، باتت مترددة في التعامل معه. ووفقاً للمصدر، فإن «سياسة العقوبات القصوى أصبحت تقدم على أنها استراتيجية جديدة تعتمدها الإدارة ضد الدول المصنّفة معادية، ككوبا وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا طبعاً. إلا أن هناك اتجاهاً متزايداً لديها لتوظيف الاقتصاد كسلاح سياسي في علاقاتها الدولية، بما فيها علاقاتها مع حلفائها».
في بداية تسعينيات القرن الماضي، جزمت الولايات المتحدة بأن نصرها السريع ضد العراق سيكون فاتحة لنمط جديد من الحرب، تلك التي تخاض من الجو من دون معارك برية ولا قتلى. لكن مغامراتها العسكرية اللاحقة أظهرت هزالة هذا الاستنتاج، خاصة عندما تواجه جيوشها الشعوب وحركات مقاوماتها العضوية والمتجذرة. قد تكون أفغانستان، وهي أطول حرب تخوضها أميركا، خير مثال على استحالة النصر في حروب ضد الشعوب. إدارتها الحالية تظن بإمكانية أن تحقق بأدوات الاقتصاد وغيرها من أدوات الحرب الهجينة، ما عجزت عنه عبر العمليات العسكرية الكبرى.