بدأت أوكرانيا، أمس، صفحة جديدة غير مسبوقة من تاريخها، لا يُعرف ما إذا كانت ستتيح انطلاقة جديدة، أو ستكون قفزة خطيرة في المجهول، بعد فوز الممثل الهزلي، فولوديمير زيلينسكي، بالرئاسة، في بلد يعاني من فساد مستشرٍ ووضع اقتصادي صعب وحرب دامية. وعلى رغم الشكوك في قدرته على تولي الحكم، والانتقادات المُوجهة إليه بسبب غموض برنامجه، فاز الممثل الهزلي البالغ من العمر 41 عاماً بـ73.1% من الأصوات، بحسب النتائج شبه النهائية، مقابل 24.5% للرئيس المنتهية ولايته بترو بوروشنكو.

لكن في ظلّ غياب برنامج محدد يذهب أبعد من عزمه على «كسر النظام»، دون أن يحيد عن الخط الموالي للغرب الذي اتخذته البلاد عام 2014، وبلا غالبية نيابية، يبدو المستقبل صعباً بالنسبة إلى الرئيس الذي سيُنصّب رسمياً بحلول مطلع حزيران/ يونيو، بعدما أدى في مسلسل تلفزيوني هزلي دور أستاذ تاريخ ينتخب رئيساً، وهي شخصية تعكس صورة بساطة واستقامة صبّت في مصلحة المرشح. مع ذلك، يبدو أن فوز زيلينسكي الكاسح يعكس ريبة الأوكرانيين حيال طبقة سياسية يُعَدّ بوروشنكو (53 عاماً) من أبرز وجوهها، وسط موجة العداء للنخب التي تجتاح العالم. وإن كان الرئيس المنتهية ولايته قد قرّب بلاده من الغرب، إلا أنه لم ينجح في تحسين مستوى المعيشة في بلد يُعَدّ من الأفقر في أوروبا، كذلك فإنه فشل في وضع حدّ للحرب مع الانفصاليين الموالين لروسيا، التي أوقعت نحو 13 ألف قتيل خلال خمس سنوات. ومن أبرز المآخذ عليه أنه لم يُبدِ تصميماً على مكافحة الفساد المستشري.

الكرملين: من المبكر جداً تحديد ما إذا كان يمكن القيام «بعمل مشترك» مع زيلينسكي


وتبدو التحديات في وجه الرئيس المنتخب هائلة، بحجم الآمال التي حملته إلى السلطة. فعلى الساحة الداخلية، يتحتم عليه أن يثبت قدرته على جمع فريق من حوله، واتخاذ مبادرات من دون غالبية برلمانية. إلا أن العديد من الناخبين يرون، في الوقت الحاضر، أن الرئيس السادس والأصغر سناً لأوكرانيا المستقلة يوفر فرصة لانطلاقة جديدة حول العديد من المسائل المثيرة للتوتر والاستياء، وهو يحظى بدعم ساحق، فيما تلقّى التهاني من قادة العالم بأسره، بما في ذلك من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والفرنسي إيمانويل ماكرون. وأشاد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ورئيس المفوضية الأوروبية جان ــ كلود يونكر، من جهتهما، في رسالة مشتركة إلى زيلينسكي، بـ«التمسك القوي بالديموقراطية ودولة القانون الذي أظهره الشعب الأوكراني خلال العملية الانتخابية». كذلك، هنّأت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، زيلينسكي، على فوزه بالرئاسة، مؤكدة، في بيان، أن «الحكومة الفدرالية ستواصل دعمها النشط لأوكرانيا في حقها في السيادة وسلامة أراضيها في المستقبل».
وفيما أكد زيلينسكي، مساء أول من أمس، رغبته في «إعادة إطلاق» عملية السلام بمشاركة روسيا في شأن الحرب في شرق البلاد، مكرراً وعده بمدّ اليد لسكان مناطق النزاع، رأى الكرملين أن الوقت لا يزال «مبكراً جداً» لتحديد ما إذا كان يمكن القيام «بعمل مشترك» مع الرئيس الأوكراني الجديد. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، للصحافيين: «في ما يتعلق بالانتخابات في أوكرانيا، لا يزال مبكراً جداً الحديث عن إمكان القيام بعمل مشترك. لن يكون ممكناً إصدار الأحكام إلا في حالات محددة». وأضاف بيسكوف: «موسكو تحترم خيار الشعب الأوكراني، وخصوصاً أن هذا الخيار واضح جداً»، لكنه شكّك في «شرعية» الانتخابات ما دام «ثلاثة ملايين مواطن أوكراني يقيمون في روسيا لم يتح لهم التصويت». وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء الروسي، ديمتري مدفيديف، إن لدى موسكو فرصة لتحسين العلاقات مع أوكرانيا برئاسة زيلينسكي، لكنه أكد أن «ليس لديه أوهام» في هذا الشأن. والعلاقات بين أوكرانيا وروسيا متوتّرة، منذ عام 2014، حينما أُطيح الرئيس الموالي لموسكو، وقامت روسيا، في العام المذكور، بضمّ القرم.