يؤشر الخلط بين السعي لإبعاد بنيامين نتنياهو عن رئاسة الحكومة، ومقولة إسقاط اليمين الإسرائيلي، إلى التباس في فهم التركيبة الاجتماعية والسياسية في الكيان العبري. فالمجتمع الإسرائيلي بات أكثر يمينيةً وتطرفاً وعدوانيةً من أي وقت مضى، ولن يُنتج إلا أحزاباً على صورته، مهما كانت العناوين التي سترفعها، سواء كانت يمينية فاقعة أو مقنّعة، بل التنافس الانتخابي بات يتركز داخل القواعد الاجتماعية ذاتها. ومن هنا، يُلحظ أن الشعارات التي تختارها الأحزاب التي يتشكل منها الائتلاف الحكومي، تتمحور حول مفهوم اليمين. وفي هذا المجال، لوحظ أن نتنياهو ظهر أمام الجمهور وخلفه لافتة بعنوان «يمين قوي»، فيما اختار رئيس حزب «كولانو» موشيه كحلون شعار «يمين معتدل». أما وزير التربية نفتالي بينت، ووزيرة القضاء إيليت شاكيد، فقد أسسا حزباً جديداً حمل اسم «اليمين الجديد». لكن نتنياهو يروّج، بشكل مدروس، لمقولة أن الحملة الانتخابية الحالية تهدف إلى إسقاط حكم اليمين، في محاولة للربط بين شخصه ومصير اليمين. وهو يتعمّد، أيضاً، وسم تحالف «أزرق ــــ أبيض»، الذي يضمّ شخصيات يمينية بارزة، على رأسها وزير الحرب السابق موشيه يعلون، بأنه حزب يساري، بهدف جرّ قواعد اليمين خلف الأحزاب التي يأمل أن تتشكلّ منها حكومته المقبلة، وتحديداً «الليكود».

تعكس التركيبة السياسية والاجتماعية في إسرائيل ظاهرتين أساسيتين: تحول المجتمع إلى اليمين واليمين الاستيطاني، واستمرار حالة التشرذم الحزبي والسياسي، وإن جرت عمليات تكتل بين بعض الأحزاب التي حافظت على بنيويتها المستقلة داخل كل تكتل. وترتبط هذه التركيبة بشكل بنيوي بالسياق التاريخي الاستعماري للمجتمع المستورَد من الخارج (المهاجرون اليهود)، وبالديناميات الداخلية، وفشل مشروع «بوتقة الصهر» الذي انعكس تكريساً للانقسامات الموجودة.
مرّت إسرائيل بتغيّرات ديموغرافية ــــ اجتماعية عميقة، أدت إلى تحول الكيان بشكل تدريجي من مجتمع علماني ــــ اشتراكي ــــ أشكنازي، إلى مجتمع يغلب عليه الطابع الديني والمحافظ واليميني، ودخول اليهود الشرقيين إلى مصاف النخب التي كانت حكراً على الأشكناز، هذا فضلاً عن زيادة قوة المستوطنين ونفوذهم السياسي. ومنذ تأسيسها حتى الآن، مرّت الدولة العبرية بثلاث مراحل أساسية متداخلة ومرتبطة بالتغيّرات الاجتماعية. المرحلة الأولى تختصرها هيمنة التيار الاشتراكي ــــ العلماني ــــ الأشكنازي، والذي عُرف بـ«التيار العمّالي»، وهو الذي أسّس إسرائيل فعلياً، وتمثل بشكل رئيس بحزب «مباي» (أو «المعراخ» و«العمل» وفق تسمياته اللاحقة). واستمرت هذه المرحلة من عام 1948 (بل وما قبل الدولة) إلى عام 1977.
المرحلة الثانية، هي مرحلة صعود اليمين وانقسام الواقع الاجتماعي والسياسي الإسرائيلي إلى معسكرين أساسيين: معسكر اليمين ويتزعمه حزب «الليكود»، ومعسكر اليسار ويترأسه حزب «العمل» (لا يعني ذلك أن حزب العمل هو حزب يساري). وبدأت هذه المرحلة مع فوز حزب «الليكود» للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، وتشكيله الحكومة بالتحالف مع اليمين الديني في عام 1977. واتّسمت بتعزّز نفوذ الحريديم، وانزياح اليهود الشرقيين نحو حزب «الليكود» الذي نجح في استقطابهم عبر خطاب اجتماعي، بعد يأسهم من حزب «العمل» خلال العقود السابقة التي حكم فيها إسرائيل. واستمرت المرحلة الثانية حتى عام 1999.

التحدي الرئيس أمام اليمين الجديد هو ما إذا سيتمكن من الحكم منفرداً


بعد ذلك، بدأت مرحلة جديدة في إسرائيل، من أبرز مزاياها تقلّص حجم الأحزاب الكبيرة («الليكود» و«العمل») وتحولها إلى أحزاب متوسطة، فضلاً عن أفول النخب التقليدية التي حكمت الكيان منذ عام 1948 إلى عام 1977، مثل النخب اليمينية بصيغتها الجابوتنسكية (اليمين التصحيحي)، والتي مثَّلها مناحيم بيغن في حينه. ومن أبرز تلك النخب ما كان يُعرف بـ«أمراء الليكود»، من أمثال دان مريدور، وبني بيغن (ابن مناحيم بيغن).
على أنقاض هذا الأفول، تشهد إسرائيل صعوداً مطّرداً لِما يطلق عليه مراقبون مختصون، تيار اليمين الجديد، في ظلّ قيادة نتنياهو (ليس المقصود «حزب اليمين الجديد» الذي شكله نفتالي بينت مع إيليت شاكيد). ويتشكل هذا التيار ــــ المعسكر من حزب «اليمين الجديد»، بالإضافة إلى الأحزاب الدينية الحريدية والدينية القومية، والمستوطنين، وأعضاء الكنيست المتطرفين من «الليكود»، والجمعيات و«اللوبيات» القوية في أحزاب يمينية أخرى.
ويلاحظ، من خلال أداء تيار اليمين الجديد الحاكم في إسرائيل، أنه بذل جهوده للسيطرة على النخب ومفاتيح مؤسسات الدولة المختلفة، وهو ما برز بشكل واضح في محاولاته السيطرة على المحكمة العليا، وفي ما توعدت به وزيرة القضاء، شاكيد، من بذل مساعٍ جديدة لإعادة إنتاج محكمة عليا مغايرة في توجهاتها للمحكمة الحالية. وتتمظهر توجهات تيار اليمين الجديد، الذي يمثله الائتلاف الحكومي بقيادة نتنياهو، أكثر ما تتمظهر، في ثلاثة عناصر:
1 ــــ الموقف من الاحتلال والاستيطان: تجلّى هذا الموقف في أوضح صوره في استغلال اليمين الجديد وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة للمطالبة بالتراجع عن حل الدولتين، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس، ومن ثم على الجولان، ولاحقاً على الضفة الغربية. مع ذلك، ينبغي القول إن رفض مشروع حل الدولتين هو الطرح التقليدي لليمين تاريخياً، والذي يقدِّم كبديل منه صيغة الحكم الذاتي كحدّ أقصى للفلسطينيين.
2 ــــ العلاقة مع فلسطينيي 48: قد لا يكون جديداً النظر إلى فلسطينيّي 48 على أنهم مصدر خطر أمني أو ديموغرافي في إسرائيل. وترجع جذور هذه النظرة إلى بدايات الاستيطان، وإليها تعود عمليات التهجير التي اتبعتها المنظمات العسكرية الصهيونية، والتي تبعها فرض الحكم العسكري على مَن تبقّى منهم من عام 1948 إلى عام 1966، قبل أن تتسع نسبياً مساحة حريتهم تحت سقف الاحتلال. وفي الإجمال، بقي الأداء الرسمي الإسرائيلي تجاههم محكوماً بضوابط ثلاثة: الطابع اليهودي للدولة، والعامل الأمني، والطابع الديموقراطي.
مع حكومة نتنياهو، أخذت السياسة الرسمية تتحرك في اتجاهات أكثر تشدداً في مواجهتهم. ومن ضمن ما يظهّر ذلك، استمرار حظر «الحركة الإسلامية الشمالية»، والتحريض ضد أعضاء الكنيست من «القائمة المشتركة»، بالإضافة إلى تمديد العمل بقوانين تستهدفهم كقانون لمّ الشمل، واستمرار سنّ قوانين ذات طابع عنصري، وتصعيد هدم البيوت وخاصة في النقب، التي شهدت محاولات هدم قرية أم الحيران كجزء من سياسات تهويد النقب، وبهدف إقامة قرية «حيران» اليهودية الخالصة على أنقاض أم الحيران.
تُقدم إسرائيل نفسها على أنها دولة «يهودية ديموقراطية»، وكان الخطاب الرسمي المتواصل منذ عقود ينصبّ على أن أحد أهم أهدافها الحفاظ على قدر من «التوازن» (بغض النظر عن واقعية هذا الشعار، وما إذا كان تهجير سكان فلسطين الأصليين واستبدال صهاينة مستورَدين بهم من «التوازن»!)، لكن الكيان بات عملياً أكثر يهودية، وأقلّ ديموقراطية. والقفزة الجديدة التي حققها اليمين الجديد، على هذا الطريق، تمثلت في سنّ قانون «يهودية الدولة»، الذي يعني في ما يعنيه ترجيح «القيم اليهودية» على «الطابع الديموقراطي» للدولة. ومن أبرز التحديات التي يواجهها معسكر اليمين الجديد في هذه الانتخابات، هو ما إذا كان سيتمكن من الحكم منفرداً ليواصل تنفيذ أجندته في استبدال النخب المهيمنة على مؤسسات الدولة، أم سيضطر إلى الائتلاف مع قوى حزبية لا تبتعد عن برامج اليمين التقليدي؟