كان الـ 29 من آذار/ مارس الحالي الموعد المفترض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن الموعد حان من دون أن تكون المملكة المتحدة قد انسحبت، بفعل تعقيدات كثيرة عطّلت مسار الخروج. اليوم، أمام رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، ما لا يزيد على ثلاثة أسابيع للتوصل إلى خطة انسحاب يوافق عليها مجلس العموم. مهلة قصيرة وجدت ماي نفسها، بفعلها، مضطرة إلى المساومة على البقاء في منصبها، مقابل تسهيل النواب مسار «بريكست».

المسار المتعثّر لـ«بريكست» يعود إلى عام 2016، حينما وافقت أغلبية البريطانيين في استفتاء شعبي على ترك الاتحاد بعد حوالى أربعين عاماً من العضوية، لدوافع عدة؛ كان أبرزها السعي للتخلص من عبء المهاجرين واللاجئين. بدأت مفاوضات لندن وبروكسل رسمياً في حزيران/ يونيو 2017، بهدف إتمام اتفاقية الانسحاب بحلول تشرين الأول/ أكتوبر من العام التالي. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، نُشرت مسودة اتفاقية الانسحاب، والإعلان السياسي الموجز المتفق عليه بين الجانبين. وفي 15 كانون الثاني/ يناير الماضي، صوّت مجلس العموم ضد الخطة التي وضعتها ماي بأغلبية 432 صوتاً مقابل 202. كانت هذه أكبر هزيمة برلمانية تُمنى بها حكومة بريطانية في التاريخ. وقد مثلت أزمة الحدود بين جمهورية إيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي، وإيرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا، المعضلة الأبرز التي تم رفض الاتفاق على أساسها.
هذه الفوضى سرعان ما انعكست على الأحزاب البريطانية نفسها، التي دخلت هي الأخرى حالة من التخبط والانقسامات، ليعلن جراء ذلك نواب عن حزب «العمّال» وحزب «المحافظين» استقالتهم من عضوية حزبَيهم، احتجاجاً على سياسات رؤسائهم. تلا هذه الاستقالات تصويت ثان على «بريكست معدّل» في منتصف الشهر الجاري، كانت قد حصلت بموجبه ماي على تنازلات من أوروبا، لكن السيناريو نفسه تكرر برفض البرلمان الخطة المعدلة. إثر ذلك، بدأت رئيسة «المحافظين» البحث عن حلول، شكّل التصويت الثالث أبرزها. لكن المفاجأة كانت دخول رئيس مجلس العموم، جون بيركو، على الخط، بإعلانه أنه لن يسمح بتصويت ثالث، في سابقة لم تشهدها الديموقراطية البريطانية منذ أكثر من مئة عام. وبعدها، استعار البرلمان السلطة من ماي، إذ نقل إليه أغلب صلاحيات التعامل مع إجراءات «بريكست»، ما شكل أيضاً هزيمة جديدة لماي.

قررت الحكومة ألّا تطرح على تصويت النواب غداً سوى جزء من الاتفاق


مساء الأربعاء، قضى النواب البريطانيون ليلة حافلة، توصّلوا في نهايتها إلى تأجيل الخروج، إضافة إلى ثماني «لاءات» على الخطط البديلة التي حددها بيركو. وقبيل هذا التصويت، كانت ماي قد أعلنت وضعها استقالتها في الميزان لإقناع النواب، وبالأخص نواب حزبها المحافظ، بإقرار خطتها، الأمر الذي لعب لمصلحتها، إذ يبدو أن عدداً من «المحافظين» قد غيروا مواقفهم وأعلنوا استعدادهم للتصويت إيجاباً. وعلى إثر هذا التطور الإيجابي، أعلنت الحكومة نيتها عرض اتفاقها للمرة الثالثة أمام البرلمان. وقالت وزيرة العلاقات مع مجلس العموم، أندريا ليدسوم: «ستُطرح مسودة حول خروج بريطانيا من الاتحاد الجمعة». هذا الإعلان أتى بعدما أجاز بيركو التصويت أمس، قائلاً إن «النص جديد ومختلف كثيراً، ويتطابق مع الشروط الموضوعة»، إذ إن الحكومة قررت ألّا تطرح على التصويت سوى جزء من الاتفاق، مع استبعاد الإعلان السياسي حول مستقبل العلاقة مع الاتحاد، المتمسك باتفاق «الطلاق»، والذي كرر مراراً أن «بريكست» الذي قدمه «هو الوحيد المتاح».
تليين رئيس البرلمان موقفه، قابله رفض سريع من قِبل المعارضة للإجراء الجديد. فالمتحدث باسم حزب «العمال»، كير ستارمر، قال: إننا «سنغادر الاتحاد الأوروبي من دون أن تكون لدينا أي فكرة الى أين نحن متجهون»، مضيفاً: «الأمر غير مقبول، وحزب العمال يعارضه». يُذكر أنه إذا أُقرّ الاتفاق في مجلس العموم، فسيعطي السلطات البريطانية إرجاء لموعد «بريكست» حتى 22 أيار/ مايو المقبل، أي عشية الانتخابات البرلمانية الأوروبية. رغم ذلك، يبقى التحدي الأكبر لماي، إقناع حليفها في البرلمان، الحزب «الوحدوي الإيرلندي الشمالي»، بدعمها، وهو ما لا يبدو سهلاً، بالنظر إلى أن الحزب أعلن سابقاً أنه لن يُصوّت لمصلحة «بريكست الضار».