يكاد لا يمر يومٌ لا تتخلّله تصريحات صادرة عن مسؤولين أميركيين في شأن رؤيتهم للأزمة في فنزويلا. تصريحات تتراوح بين التصعيد والتهديد بالمزيد من العقوبات، والتلويح بالتدخل العسكري وغيرها من الخطوات التي تحذّر واشنطن من القيام بها في حال عدم تنازل نيكولاس مادورو عن السلطة. منذ شهرين إلى اليوم، تتدرّج نبرة التصريحات بين الحادة والأكثر حدّة، كلّ ذلك في سبيل إظهار جدية في التعاطي مع الملف الفنزويلي، والتغطية على مراوحة لم تخرج منها الولايات المتحدة، ربطاً بأسباب كثيرة لا يمكنها التغاضي عنها، منها ما يتعلق بالداخل الأميركي وغيرها بالواقع الفنزويلي. ومن هذا المنطلق، تتكرّر غالبية مضامين البيانات، وخصوصاً تلك التي يشيرون فيها إلى أن كل الخيارات قائمة في شأن الأزمة الفنزويلية، وآخرها الصادر عن الرئيس دونالد ترامب، أول من أمس. وفيما تبقى هذه الإجراءات بعيدة عن التنفيذ، يوازيها بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية بأخرى، يحاولون من خلالها الخروج عن النص المعهود، ما يجعلهم يقعون في المحظور، عندما يُزاح الستار عن قصورهم العميق في فهم الواقع الفنزويلي، بل أكثر من ذلك، عدم سعيهم إلى فهمه.

إليوت أبرامز، الذي يُفترض أنه المبعوث الأميركي الخاص إلى فنزويلا، كان آخر المسؤولين الذين وقعوا في فخ تصريحاتهم عن الملف الذي يجب أن يكونوا الأكثر اطّلاعاً على تفاصيله، وذلك عندما استُنطق من قِبَل عدد من الصحافيين بخصوص ماهية الفترة الانتقالية التي يرأسها خوان غوايدو، ومدى شرعيتها. في فيديو نُشر قبل يومين لمؤتمر صحافي، سئل أبرامز عن «النص الذي بناءً عليه أعلن (خوان) غوايدو نفسه رئيساً، والذي يُقال إن مدّته انتهت الشهر الماضي». سؤال شكّل إشارة انطلاق لمعاناة الدبلوماسي الأميركي في شرح ما لا يفهمه، وجعل ما هو غير منطقي يبدو منطقياً، في محاولة منه لإقناع الصحافيين. قال أبرامز إنه «بناءً على الدستور الفنزويلي، مرّرت الجمعية الوطنية مشروع قانون تقول فيه إن ثلاثين يوماً من الرئاسة الانتقالية لن تبدأ، إلا في اليوم الذي يترك فيه نيكولاس مادورو السلطة»، مضيفاً إن «الأيام الثلاثين لا تبدأ الآن، إنما بعد مادورو. وهذا مشروع قانون صادر عن الجمعية الوطنية».

أبرامز: الجمعية الوطنية قالت إن رئاسة غوايدو الانتقالية تبدأ بعد خروج مادورو


جواب فتح الباب على تساؤلات أخرى، وألقى الضوء على واقع أكثر فداحة، وهو أن غوايدو الذي كانت واشنطن أول من اعترفت به رئيساً انتقالياً، «رئيس لفترة لم تبدأ بعد»، ولا سيما أنه عند سؤال أبرامز عن الوقت الذي صدر فيه هذا المشروع، قال «إنهم أصدروه قبل حوالى الشهر». بناءً عليه، باغته صحافي آخر باستيضاح، قائلاً: «عند ارتدائه (غوايدو) عباءة الرئاسة الانتقالية، لم يكن هذا المشروع موجوداً؟»، ليجيب أبرامز: «نعم هذا صحيح»، الأمر الذي استغله هذا الصحافي، معقّباً بالقول: «كأنك تقول لقد انتُخبت رئيساً قبل أربع سنوات، وبعد عامين غُيّرت القواعد، ليبدو أن ولايتك لم تبدأ بعد. كيف يحصل ذلك؟». تعقيب منطقي لم يتمكّن أبرامز من تبديده، فحاول اللجوء إلى حسّ الفكاهة للهرب منه، إلا أن ذلك لم ينقذه، فقال: «لا يمكنك التصويت لأنك لست في الجمعية الوطنية»، ما دفع بالصحافي إلى إعادة الكرة إلى ملعب الدبلوماسي الأميركي، قائلاً له: «أنت لست في الجمعية الوطنية، أيضاً».
مع ذلك، «تنظر الولايات المتحدة إلى الأمر على أنه دستوري»، بحسب ما أشار إليه أبرامز، مضيفاً: «نحن نأخذ الجمعية الوطنية على أنها المؤسسة الديموقراطية الشرعية الوحيدة المتبقية في فنزويلا. وتفسيرهم للدستور، كما تعرفون، هو أنه اعتباراً من تاريخ هذه الولاية المزعومة لمادورو، فإن الرئاسة شاغرة»، ليستدرك بتصريح أكثر إبهاماً قال فيه: «لكنهم قالوا أيضاً إن مدة الثلاثين يوماً تبدأ عندما يغادر مادورو».
في المحصلة، «غوايدو رئيس فترة انتقالية غير موجودة حتى الآن؟»، بحسب سؤال لصحافي آخر، أعاد أبرامز إلى النقطة الصفر، ليرد بإجابة بدت منطقية بالنسبة إليه على الرغم من أنها تضمّنت تناقضاً واضحاً، وهي أن «تعداد الأيام الثلاثين لفترته الانتقالية يبدأ لأنه ليس في السلطة، وهذه هي المشكلة، مادورو لا يزال موجوداً، لذا قرّروا (الجمعية الوطنية) أنهم سيبدأون بالعدّ من الوقت الذي يصبح فيه في السلطة، ومادورو خارجها. أظن بأن الأمر منطقي». بناءً عليه، ختم بتعليق ربما يحمل أقلّ أضرار ممكنة، معتبراً أن غوايدو «رئيس انتقالي، لكنه ليس قادراً على ممارسة السلطة، لأن مادورو لا يزال موجوداً».