لندن | تستمرّ الإدارة الأميركية في تنفيذ انقلابها الكلاسيكي الطابع على فنزويلا، متخذة خطوات تصعيدية متدرجة تضيّق الخناق على النظام البوليفاري، بينما يظهر الرئيس مادورو تردّداً واضحاً في تبنّي سياسة مواجهة حاسمة لن تؤجل القدر المحسوم. إنه عالم بقطب واحد: الإمبراطورية الأميركية، والساعة الصفر ستحدَّد وفق المصلحة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب لا أكثر ولا أقل.

قبل أيّام قليلة من إقدام رئيس الجمعية الوطنية، خوان غوايدو، على إعلان عزل الرئيس الفنزويلي المنتخب، نيكولاس مادورو، وتولّيه المنصب مكانه مؤقّتاً، بتوجيه ودعم من رعاته الأميركيين، قام فريق من ضباط المخابرات الفنزويلية المتحمّسين بتوقيف غوايدو للتحقيق معه بشأن اتصالاته المحمومة بالأميركيين، التي تجاوزت حينها كل لياقة ممكنة. بعد ساعات قليلة، جاءت التعليمات من الرئاسة الفنزويلية قاطعة بإطلاق غوايدو فوراً، وأعلن مادورو بعدها توقيف الضباط عن عملهم بانتظار محكمة عسكرية. وقتها، فُسّرت الخطوة من قبل مؤيّدي الثورة البوليفارية بأن الرئيس العتيد مادورو رجل دولة، وأنه لا يريد أن يسجّل على نظامه التجاوز على القانون وتوقيف الأشخاص دون محاكمة، فيمنح بذلك الأميركيين نقطة أخرى على حسابه.
بعدها، تجرّأ غوايدو على إعلانه الشهير من قلب كاراكاس، وتحدّى مؤيّدوه السلطات في تظاهرات واسعة. وقد أعلنت مصادر رسمية فنزويلية وقتها أن مذكرة استجواب صدرت بحقّ غوايدو وأنه جارٍ العمل على اعتقاله، لكن الرجل لم يُعتقل قَطّ، بل هو تحدّى منع السفر المسجّل في حقّه، وغادر إلى كولومبيا (قاعدة العدوان على فنزويلا) ليقود مسرحية محاولة إدخال المُساعدات الأميركية إلى بلاده، التي كادت تسبّب توريط حرس الحدود الفنزويلي في مواجهة نارية. ولم تمضِ أيّام قليلة حتى عاد الرجل علناً إلى فنزويلا بالطائرة عبر مطار مدني إقليمي ولم يُعتقَل. بل هو تحدّث إلى الصحافيين خارج المطار عن أن موظّفي الأمن الفنزويليين كانوا شديدي اللطف معه، ودعوه بسيادة الرئيس وهم يسلّمونه وثائق سفره ليدخل فنزويلا بسلام آمناً.
واليوم، غوايدو في كاراكاس، بعدما اتضح دوره في خيانة دستور بلاده، ومحاولته عزل رئيس البلاد المنتخب، والتسبّب بقلاقل أمنية على الحدود، والتعامل الصريح مع قوى معادية للبلاد بغرض قلب النظام، وتحدّي قرار منع السفر، وهي تهم تكفي للإعدام في معظم الدول الموالية للولايات المتحدة، أو أقلّه أن يُلقى في غياهب السجن. ومع ذلك، فإن الرجل يمشي مطمئناً في الأسواق، ويستمر بالالتقاء بأنصاره علناً كما بضباط من الجيش الفنزويلي وكأن شيئاً لم يكن.

على ماذا يراهن مادورو؟
من الواضح بعد مرور عدّة أسابيع على اشتعال الأزمة الأخيرة أن الزعيم البوليفاري يتبع سياسة تأجيل المواجهة والنفَس الطويل في مواجهة المشروع الأميركي لبلاده، وهو في ذلك يحاول على الأغلب تجنّب إدخال الجيش في مرحلة اتخاذ مواقف حاسمة وكشف ولاءاته التي قد لا تكون بالضرورة مع المشروع البوليفاري، رغم أن العناصر الموالية للرئيس الراحل تشافيز ما زالت تمثّل الجزء الأكبر من عديد القوات المسلحة. إذ ليس سرّاً في كاراكاس أن كبار قادة الجيش تحديداً يتعرّضون لضغوط وإغراءات شديدة من المخابرات المركزية الأميركية لقيادة انقلاب عسكري على مادورو، أو على الأقل الوقوف على الحياد في المواجهة مع المعارضة المستشرسة، والرئيس ليس مستعجلاً في ما يبدو لدفعهم دفعاً إلى القيام بدورهم المتوقع منهم على الأقل تاريخياً وفق الخبرة في انقلابات أميركا اللاتينية الكثيرة.
سياسة مادورو الضعيفة هذه انسحبت حتى على العلاقة مع الولايات المتحدة، التي تقود منذ عشرين عاماً حرباً طويلة ضد فنزويلا تصاعدت أخيراً من خلال حصار اقتصادي وقانوني خانق، ودعم صريح لمشروع انقلاب معلن، بل وهجومات سيبيرية سبّبت الأسبوع الماضي قطع الكهرباء عن العاصمة، في ما يشبه استعادة نوستالجية الطابع للإجراءات التصعيدية الكلاسيكية التي اتبعتها واشنطن تحضيراً لانقلاب بونيشيه على الرئيس سلفادور الليندي في تشيلي (1973)، وقبله انقلاب الشاه على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق (1953). فبرغم تورّط الديبلوماسيين الأميركيين في كاراكاس علناً بدعم انقلاب غوايدو، بلع مادورو قراره بطردهم من البلاد خلال 72 ساعة، وأُعلن لاحقاً، دون كبير ضجة، توافقَ البلدين على إبقاء تمثيل دبلوماسي متبادل دون مستوى السفير. وهناك تقارير أكدتها عدة مصادر متقاطعة، تحدثت عن لقاءات عقدت بين الطرفين حضرها من الجانب الأميركي إليوت أبرامز شخصياً، وهو المكلّف الملف الفنزويلي من قِبَل الإدارة الأميركية لخبرته الواسعة في إسقاط الأنظمة في أميركا اللاتينية.

العدوان تأكيد لتمدّد هيمنة الإمبراطورية لا انحسارها كما يدّعي البعض


«فقدان الشجاعة» هذا الذي أصاب مادورو يمكن تفسيره بأن الرئيس يعلم يقيناً بأن الثورة البوليفارية ستكون وحيدة في الحلقة الأخيرة من الانقلاب. فلا الروس ولا الصينيون مستعدون ـــ أو حتى قادرون عملياً ـــ على فتح مواجهة في ملعب واشنطن وحديقتها الخلفية اللاتينية من أجل فنزويلا. ورغم عشرين عاماً من شعارات الثورة والاشتراكية، فإن ما تحقّق بالفعل على الأرض لا يصل إلى ربع ثورة أو خُمس اشتراكية بعدما بقيت مصالح البلاد الاقتصادية جلّها، كما إعلامها والعديد من مواقع التأثير وصناعة الرأي العام والثقافة فيها، بِيد ذات الطبقة البرجوازية المعادية بنيوياً وموضوعياً لكل مشروع استقلالي في البلاد، بوليفارياً كان أو اشتراكياً أو بين بين. كذلك بقيت مؤسسة الجيش كما كانت دائماً: قوة حاسمة غير مضمونة الولاء، ولم يفكّر البوليفاريون يوماً بحلّها وتحويلها إلى ميليشيا شعبية. وقد اقترب الشيوعيون والمناضلون التوباماروس الفنزويليون من تقديم مرشّح بديل من مادورو في الانتخابات الأخيرة، بعدما فشل الأخير طوال فترة رئاسته الأولى في تبني أي إجراء فعلي لنقل البلاد نحو اشتراكية حقيقية لولا تفاهمات اللحظة الأخيرة والتوافق على أولوية المواجهة مع العدو الأميركي.
ضعف موقف مادورو الظاهر، ولا سيما لناحية بقاء غوايدو طليقاً، لن يُفسَّر أميركياً على أساس أن الرجل يحاول تجنّب مذبحة في بلاده، وأنه قد يكون مستعدّاً لتقديم تنازلات أساسية في مفاوضات بين السلطة والمعارضة قد ترعاها المكسيك أو حتى الولايات المتحدة ذاتها. فالقيادة الأميركية التي تقود العالم بمنطق القوّة الغاشمة ستقرأ ضعف مادورو بأنه الوقت الأفضل أكثر من أي وقت مضى للمضي في مشروعها لتنظيف أميركا الجنوبية من بقية الراديكاليين اليساريين في الدول القليلة المشاغبة، بدءاً من فنزويلا ـــ مخزن نفط العالم ـــ قبل الإجهاز على نيكاراغوا وبوليفيا وربما كوبا.
الذين يعرفون طرائق عمل المخابرات المركزية الأميركية (لم تعد أسراراً عسكرية، بل مفصّلة في كتب ومقالات ووثائق رسمية مفرج عنها) يعلمون تمام العلم بأن المذبحة قادمة، وأن سقوط رمز النظام سلماً أو قتالاً يعني حتماً الشروع في عملية تطهير واسعة النطاق قتلاً وإخفاءً وتعذيباً لكل الموالين للنظام البوليفاري وحلفائه اليساريين، ولا سيّما الكوادر التي يُخشى أن تستمرّ مصدر قلق مستقبلاً، سواء أكانت عسكرية أم مدنية أم حتى من المثقّفين وأساتذة الجامعات. لذلك، إن تردّد مادورو في استعمال القوة لن يردّ القضاء ولن يلطف به أيضاً، ولكنه لو كان حسم موقفه فلربما سيضمن له ولرفاقه فرصة بقاء أطول نظرياً، إذا تأكّد للأميركي أن تكلفة المواجهة ستكون باهظة على الأرض، وهو أمر لا يناسب مرحلياً شعبية الرئيس البرتقالي المهتزة هذه الأيام، والتي لا ينقصها مشهد توابيت كثيرة ملفوفة بالعلم الأميركي عائدة من الجنوب.
المهزلة الأخلاقية الأميركية في عدوانها المتصاعد على فنزويلا ليست إلا تأكيداً جديداً لتمدّد هيمنة الإمبراطورية الأميركية، لا انحسارها كما يدّعي بعض المتفائلين. فها هي دولة صغيرة مسالمة، بالكاد تطعم مواطنيها الفقراء خبزاً، ولم تجرؤ على المسّ بطبقتها البرجوازية المحلية، فضلاً عن مواجهة الغرب، ورئيسها منتخب وفق نظام تصويت شهد له الأعداء قبل الأصدقاء، وتُقدّم الإشارة تلو الإشارة إلى استعدادها للتعايش مع المنظومة الرأسمالية العالمية، ستكون مجرّد أضحية تُذبح بأمر الرجل البرتقالي في وقت مناسب لحملته الانتخابية للفوز بدورة رئاسية قادمة. فالحروب شيء جيّد للاقتصاد الأميركي وللانتخابات معاً، وعدّة مئات الآلاف من القتلى ـــ كما قالت مادلين أولبرايت بعد غزو العراق ـــ ثمن لا بأس بدفعه من أجل الديمقراطية: بضاعة الأميركي المسمومة، بينما سيكتفي الروس وأصدقاؤهم الصينيون بمتابعة المذبحة على التلفزيون وإصدار بيانات الشجب التي يعلم الجميع بأنها لم تنقذ عراقياً واحداً من الموت.
مادورو في موقف لا يُحسد عليه، لكنه بتردّده سيضيع فرصة أن يذكر، على الأقلّ في التاريخ، كسلفادور الليندي رئيس تشيلي الشهيد الذي قاتل عن الجمهورية وحيداً إلا من ثلّة من حرسه الشخصي وببندقيته الشخصية، ولم يطأطئ رأسه لأحد.