إسطنبول | بدأ الاهتمام بالصناعات الدفاعية في تركيا في السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية، رغم الصعوبات الاقتصادية التي كانت تواجهها الدولة الناشئة حديثاً آنذاك. فأُسِّس وافتُتِح العديد من مصانع الأسلحة والمهمات العسكرية. في عام 1925، أي بعد عامين فقط من إعلان الجمهورية، افتُتِح «مركز الصيانة الجوية» في ولاية أسكي شهير، وفي العام نفسه أيضاً افتُتح مصنع «شاكر زمرة» للأسلحة الخفيفة والذخيرة. وكان أول مصنع حربي يتبع القطاع الخاص في تلك الفترة، وأسهم في سدّ احتياجات الجيش من الذخيرة، وخاصة القنابل المستخدمة مع القاذفات. وفي 1927، أُسس مصنع الطائرات في ولاية قيصري، بينما افتُتح مصنع آخر للمهمات والذخائر في ولاية قيريق قلعة في عام 1928، الذي كان مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، قد وضع الحجر الأساس له عام 1924، ولا يزال المصنع قائماً حتى الآن. وفي 1929 أُنشئت ترسانة بحرية جديدة في منطقة «غولجوك» غرب تركيا، نُقلت إليها أيضاً ترسانة الخليج التي كانت قد أُسست في عهد الدولة العثمانية.

إلا أن أهم الخطوات في قطاع الصناعات الدفاعية في تلك الفترة، كانت تأسيس «الشركة المساهمة للطائرات والمحركات» (TATMAŞ) بشراكة مع شركة «يونكر» (junker) الألمانية. ضمت الشركة لبنيتها مصانع الطائرات في قيصري عام 1928، وفي عام 1939 كان المصنع قد وصل إلى قدرة إنتاجية تصل إلى 112 طائرة سنوياً، وأُغلقت الشركة بسبب خلاف مع الشركة الألمانية حول رخص التصنيع والعلامات التجارية. في عام 1941، أسست هيئة الطيران التركية مصنعاً للطائرات كان يُعد الاستثمار الأضخم آنذاك في قطاع الصناعات الدفاعية، بينما أُسس أول مصنع خاص لإنتاج محركات الطائرات في أنقرة عام 1948. جدير بالذكر أن مشكلة الحصول على المحركات هي المشكلة الأبرز التي تواجه الصناعات الدفاعية في تركيا حالياً. إذ تضطر الدولة إلى استيراد محركات من الخارج للعديد من مشاريعها المحلية في الصناعات الدفاعية، الأمر الذي يؤثر بمدى كون هذه المشاريع محلية 100%، إضافة إلى بعض الشروط التي تفرضها دول معينة تزوّد تركيا بالمحركات، كما حدث في صفقة بيع تركيا 30 مروحية قتالية من طراز «أتاك» لباكستان، حيث اعترضت الولايات المتحدة على الصفقة بصفتها الدولة المصنعة لمحرك الطائرة (تعمل الطائرة بمحركين من إنتاج شركتي «Rolls-Royce» و «Honeywell» الأميركيتين).

في 1947 أصبح الجيش التركي يعتمد فقط على المساعدات الأميركية


استمر الاهتمام بالصناعات الدفاعية في بداية عهد الجمهورية كجزء لا يتجزأ من خطة التحول الصناعي التي اعتمدتها البلاد. إلا أن الظروف والأحداث التي عاشتها تركيا بعد هذه الفترة أدت إلى إهمال الصناعات الدفاعية ووأدها في مهدها. ففي آذار/مارس 1941، أقرت الولايات المتحدة قانون «الإعارة والاستئجار» الذي يسمح لحكومة الولايات المتحدة بدعم حكومات الدول الحليفة بالغذاء والوقود والأسلحة والذخيرة. وفي إطار هذا البرنامج قدّمت الولايات المتحدة إلى تركيا في الفترة ما بين 1941 ــ 1944 أسلحة بقيمة 95 مليون دولار. وفي إطار برنامج ترومان للمساعدات، الذي عُرف آنذاك بـ«مبدأ ترومان» وأُعلن في آذار/مارس 1947، أصبح الجيش التركي يعتمد اعتماداً تاماً على المساعدات العسكرية الأميركية. وكان البنتاغون هو من يقرر احتياجات الجيش التركي من الأسلحة والعتاد، ثم يُرسلها، إضافة إلى برامج التدريب والدورات العسكرية. وحتى 30 حزيران/ يونيو 1948، وصل حجم المساعدات العسكرية الأميركية لتركيا إلى أكثر من 100 مليون دولار. وأهملت الدولة الصناعات الدفاعية تماماً، لعدم حاجتها إليها واعتمادها الكامل على المساعدات الأميركية. إلا أن أزمة الصواريخ الكوبية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أشعرت تركيا بعدم الأمان لارتباط أمنها القومي بقرارات دولة أخرى.
ومع بداية الأزمة القبرصية عام 1964، رأت تركيا أنها لا تحظى بالدعم اللازم من حلفائها، وخاصة حلف «الناتو». وأدركت عدم جاهزيتها الكاملة للقيام بأي عمل عسكري باستقلالية تامة، حيث بعث الرئيس الأميركي، ليندون جونسون، رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الوزراء التركي آنذاك عصمت إينونو، يهدد فيها بالتخلي عن تركيا إذا ما أقدمت على استخدام القوة في الجزيرة القبرصية.​ شعرت حينها أنقرة بأهمية امتلاك قطاع صناعات دفاعية متطور ومستقل، وأُسِّسَت «جمعية الأسطول التركي» تحت شعار «اصنع سفينتك بنفسك». وعام 1970 أُسس «وقف تعزيز القوات الجوية التركية». وعقب انقلاب عسكري شهدته جزيرة قبرص وقاده نيكوس سامبسون ضد الرئيس القبرصي مكاريوس، بدعم من المجلس العسكري اليوناني، وبعد فترة من استهداف المجموعات المسلحة الرومية لسكان الجزيرة من الأتراك، قامت تركيا في 20 تموز/ يوليو 1974 بتنفيذ عملية عسكرية في الجزيرة أطلقت عليها اسم «العملية العسكرية لإحلال السلام في جزيرة قبرص». لاقت الحملة العسكرية اعتراضاً شديداً من المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة التي أوقفت مساعداتها العسكرية لتركيا وبادرت بفرض عقوبات وحظر على بيع السلاح أو تقديم مساعدات عسكرية لأنقرة. واستمر الحظر من 5 شباط/ فبراير 1975 حتى 26 أيلول/ سبتمبر 1978. واضطرت تركيا إلى استيراد الذخيرة وقطع الغيار حينها من ليبيا عبر بعض الوسطاء. وحينها أدركت الدولة التركية ضرورة أن يكون لديها قطاع قوي للصناعات الدفاعية المحلية، إلى جانب تنويع مصادر السلاح القادم من الخارج وعدم الاعتماد على جهة واحدة.
وفي العام نفسه أُسِّس «وقف تعزيز القوات البرية التركية»، وجمع مواطنون أتراك تبرعات من أجل هذه الأوقاف. وعام 1973 أُسست الشركة المساهمة لصناعة الطائرات «توساش»، وكانت تتبع وزارة الصناعة والتكنولوجيا. وخلال مدة قصيرة، أسست هذه الأوقاف عدة شركات كانت بمثابة الانطلاقة الحقيقية للصناعات الدفاعية التركية، هي: «أسيلسان»Aselsan) 1975)، «إيشبير» İŞBİR) 1978)، «أسبيلسان» ASPİLSAN) 1981)، «هوالسان» 1982 (HAVELSAN). وفي عام 1985، أُسّست رئاسة إدارة تطوير ودعم الصناعات الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع، ثم تحوّلت بعد ذلك إلى «مستشارية الصناعات الدفاعية». ثم عُدّل اسمها مجدداً إلى رئاسة الصناعات الدفاعية، وأُلحِقَت مباشرة برئاسة الجمهورية عقب تحول نظام الحكم فعلياً إلى النظام الرئاسي عام 2018. وفي 17 حزيران/ يونيو عام 1987، وبموجب القانون رقم 3388، وُحِّد وقف تعزيز القوات البرية ووقف تعزيز القوات الجوية وجمعية الأسطول التركي، وجُمِعَت تحت مظلة وقف واحد هو «وقف تعزيز القوات المسلحة التركية»، وكثف المواطنون الأتراك من حملات جمع التبرعات من أجل الوقف الذي بدأ نشاطه الفعلي في أيلول/ سبتمبر 1987. وعام 1988، أُسست شركة «روكيتسان» بهدف تصميم الصواريخ وإنتاجها. ويدير وقف تعزيز القوات المسلحة التركية حالياً نحو 44 شركة تابعة له بصورة مباشرة أو غير مباشرة.