المناورات البحرية التي شهدتها البحار المحيطة بتركيا وانتهت منذ يومين، رُتِّبَت وفقاً لمعايير حلف شماليّ الأطلسي (الناتو)، الذي تتشارك معه تركيا مهمات عسكرية بحرية واسعة. وقد شهدت المناورات مشاركة أكثر من مئة قطعة بحرية، بالإضافة إلى آلاف الجنود، وعدد من المروحيات والطائرات بدون طيار، التي تميّزت تركيا أخيراً بصناعتها. وقد أشرف قادة الجيش التركي على مراقبة المناورات في يومها السابع والأخير (أول من أمس)، عبر طائرة التحكم والإنذار المبكر. وشارك في المراقبة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار وعدد من قادة الجيش.

قد تساعد العودة إلى مراجعة موجزة للوضعية العسكرية في البحار الثلاثة المحيطة بتركيا، في فهم أهداف هذه المناورات وسياقها. في البداية، إن البحر الأسود الذي تطلّ عليه تركيا شمالاً، أصبح بعد قرار موسكو ضمَّ شبه جزيرة القرم، بداية عام 2014، بمثابة «بحيرة روسية» تسيطر عليها القوات البحرية الروسية بنحو شبه كامل، سواء عبر الحضور المباشر أو عبر «مظلات» الحماية التي أنشأتها حوله، وهي عبارة عن منظومة متكاملة تشكّل مظلّة محمية بواسطة أسلحة الحرب الإلكترونية وأسلحة دفاعية صاروخية. أما بالنسبة إلى بحر إيجة، الواقع غربيّ تركيا، والمشترك مع اليونان، فهو قد شهد توتراً عسكرياً حقيقياً بين البلدين، وصل في عام 1996 إلى شفير الحرب، ولكنه يشهد هدوءاً نسبياً منذ ذلك الحين. وأخيراً، بالنسبة إلى المنطقة الأكثر توتراً اليوم، وهي البحر المتوسط، الذي يزدحم بالوجود العسكري، فبالإضافة إلى التنافس المحموم على الثروات الطبيعية التي يختزنها، فإنه يخضع لمعادلات عسكرية معقّدة تبدأ عند إسرائيل التي تسعى إلى توسيع سيطرتها البحرية، ولا تنتهي عند حدود مظلة الحماية الروسية التي أقيمت مقابل السواحل السورية.
إذاً، تعاني أنقرة من نهاية التفوق البحري النسبي الذي أقامته في البحر الأسود وشرق المتوسط، ​​بعد الحرب الباردة، وهي تسعى بمثابرة إلى رفع قدراتها العسكرية لاستعادة التوازن، إن لم يكن التفوق في تلك البحار. ويُذكر، أنه رغم التأزم التاريخي بين اليونان وتركيا، فإن الأوضاع في بحر إيجة ليست متوترة بنحو صارخ اليوم. وهي لا تشكل تهديداً فعلياً، وليست مصدر قلق لتركيا التي تملك قدرات عسكرية جيدة مقابل اليونان، بالإضافة إلى أن الثروات الحقيقية تتمركز في المتوسط. ويدلّ على انتفاء النيات التصعيدية في إيجة، إشارة وزير الدفاع التركي، في اليوم الأخير للمناورات، إلى حرص بلاده على تحسين علاقات «حسن الجوار» مع اليونان، قائلاً: «في إطار اللقاءات التي أجريتها مع نظيري اليوناني، اتفقنا على زيارات متبادلة بين البلدين من أجل الوصول بعلاقاتنا إلى مستوى متقدم».

تأتي المناورات بعد تزخيم تركيا عمليات البحث والتنقيب أواخر العام الماضي


وعلى صعيد موازٍ، ومع إعادة ترميم العلاقات الروسية ـــ التركية»، بدوافع المصالح المشتركة في ما يخصّ الحرب في سوريا، يتراجع خوف أنقرة من الخطر الذي تمثّله سيطرة موسكو على البحر الأسود. ويضاف إلى ذلك أسباب أخرى تدفع تركيا إلى عدم استفزاز روسيا هناك، أهمها القدرات العسكرية الروسية الهائلة في تثبيت سيطرتها على البحر الأسود. ولطالما كانت الهيمنة على منطقة البحر الأسود بالنسبة إلى روسيا تُعَدّ مسألة «أمن قومي». إذ كانت موانئ البحر الأسود الروسية، الموانئ المائية «الدافئة» الوحيدة (يضاف إليها ميناء طرطوس في سوريا اليوم، حيث توجد قاعدة بحرية روسية)، وهي تخدم المصالح الاقتصادية لروسيا. على سبيل المثال، عشية الحرب العالمية الأولى، مرَّ 50٪ من مجموع الصادرات الروسية، و90٪ من الصادرات الزراعية الروسية، عبر مضيق البوسفور (يربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة). واليوم، تمرّ ناقلة نفط عبر مضيق البوسفور كل 15 دقيقة تحمل النفط الروسي أو الكازاخستاني. تتفهّم أنقرة أهمية البحر الأسود بالنسبة إلى روسيا، وهي لا تسعى إلى استفزازها، ولا تُظهر نيات عدوانية هناك.
ومع غياب التنافس الحقيقي في البحر الأسود بين روسيا وتركيا، وانخفاض مستوى التحدي بين اليونان وتركيا في بحر إيجة، يبقى الميدان الوحيد الذي يشهد تصعيداً واضحاً هو البحر الأبيض المتوسط. مع أن هذه المناورات كانت مقرّرة من قبل، إلا أنها تتزامن مع تصاعد التوتر بين تركيا ودول حوض المتوسط، بسبب التنافس على الغاز. وتأتي هذه المناورات بعد تزخيم تركيا عمليات البحث والتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط منذ أواخر العام الماضي، بالتزامن مع إطلاق تهديدات جدية نحو اليونان وقبرص الجنوبية (اليونانية)، إذ تتهمها أنقرة بمحاولة الاستئثار بالغاز، وخصوصاً مقابل سواحل قبرص الشمالية (التركية). ويعتقد خبراء عسكريون أن المناورات الأخيرة هدفت أساساً إلى إظهار قوة القوات البحرية التركية في إطار التنافس على الغاز شرق المتوسط، حيث تواجه أنقرة هناك جهات تعمل بنحو مشترك في قطاع الطاقة، هي إسرائيل ومصر واليونان وقبرص.
بالإضافة إلى كل ما سبق، تهدف المناورات إلى رفع الجاهزية القتالية للجيش التركي، وتجربة الأسلحة المحلية الصنع التي دخلت الخدمة أخيراً، خصوصاً أن تركيا تخوض غمار الصناعة الدفاعية البحرية، وفي الفترة الأخيرة حققت قفزة كبيرة في موضوع تصنيع سلاحها ذاتياً، وتشكل المناورات فرصة لاختبارها والتأكد من جاهزيتها.